كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

فيكرهونه على القول بخلق القرآن وشمل ذلك جميع علماء الشافعية والمالكية بمصر . وأشبه ما تحمل عليه الحكاية إن صحة هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرضون لمن جاهر بالإنكار عليهم وأعلن منابذتهم وتضليلهم ، وكان البويطي يؤثر عدم المجاهرة فجاهر أولئك الثلاثة فأدى ذلك إلى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة والمعروف عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة .
وكأن الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة إذا كذب أبو يوسف محمداً تكذيباً صريحاً فيما يرويه عنه ما في كتب الحنفية كـ ( شرح السير الكبير ) ج 1 ص3 إذ ذكر الوشحة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد ثم قال : (( وسببها الخاص ما يحكى أنه جرى ذكر محمد رحمه الله في مجلس الخليفة فأثنى عليه الخليفة فخاف أبو يوسف أن يقربه فخلا به وقال :أترغب في قضاء مصر ؟ فقال محمد :ما غرضك في هذا ؟ فقال : قد ظهر علمنا بالعراق وأحب أن يظهر بمصر . فقال محمد : حتى أنظر . وشاور في ذلك أصحابه فقالوا له : ليس غرضه قضاؤك ولكن يريد أن ينحيك عن باب الخليفة . ثم أمر الخليفة أبا يوسف أن يحضره مجلسه ، فقال أبو يوسف : إن به داءً لا يصلح معه لمجلس أمير المؤمنين . فقال : وما ذاك ؟ قال : به سلس البول بحيث لا يمكنه استدامة الجلوس . فقال الخليفة: فأذن له بالقيام عند حاجته . ثم خلا بمحمد رحمه الله وقال : إن أمير المؤمنين يدعوك ، وهو رجل ملول فلا تطل الجلوس عنده ، وإذا أشرت إليك فقم ... ولما مات أبو يوسف رحمه الله لم يخرج محمد رحمه الله في جنازته )) .
لكن الفرق يا أستاذ واضح كان إمام أبي يوسف ومحمد مجلس الرشيد وملاذ الدنيا وبدر الدنانير وتخوت الثياب وغير ذلك ، ولم يكن أمام البويطي شيء من ذلك ، إنما أمامه مخالفة المالكية والجهمية والدولة واحتاج أن ينفق من صلب ماله وقوت عياله حتى ختم الله له على أيدي أصحابك بالحسنى وزيادة .
من ثناء الأئمة على الحميدي قال الإمام أحمد (( الحميدي إمام )) وقال أبو حاتم : (( هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه ، وهو ثقة إمام )) وقال يعقوب بن سفيان : (( ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه )) .

الصفحة 296