عند الآخرين لتظهر مزيته عليهم وكانوا يعتنون شديداً لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد بها كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من ( لسان الميزان ) وغيره ، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئاً يغرب به على أصحابه بأن يكون عنده دونهم ، فإذا ظفر بذلك افتخر به عليهم واشتد سروره وإعجابه وانكسارهم . وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد قال : (( ما كنت أظن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعأبي ... )) فذكر القصة وفيها غلبة الطبراني قال ابن العميد (( فخجل الجعأبي ، فوددت أن الوزارة لمتكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه )) راجع ( تذكرة الحفاظ ) ج3 ص121 . ولم يكونوا يبالغون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره ، صحيحاً أو غير صحيح ؟ وقد كان عند زكريا الساجي حديث عن رجل واه ومع ذلك لما لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي صار له به شأن . وفي ( لسان الميزان ) : (( قال الساجي : كتب عني هذا الحديث البزاز وعبدان وأبو داود وغيرهم من المحدثين . قال القراب :هذا حديث الساجي الذي كان يسأل عنه )) . وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه ، كان يقول الأول : مالك عن نافع
قال ... ، فإن عرفه الآخر قال : حدثناه فلان عن فلان عن مالك . وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول : المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً : (( أبغض الكلام إلى الله الفارسية )) . أو يقول : أبو هريرة مرفوعاً : (( خلق الله الفرس )) الخ . وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة .
وكان ابن أبي داود صلفاً تياهاً حريصاً على الغلبة فكأنه سمع من بعض النواصب يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجالين إلى الزهري أنه قال : قال عروة ... فحفظ ابن أبي داود الحكاية مع علمه واعتقاده بطلانها لكن كان يعدها للأغراب عند المذاكرة ولما دخل أصبهان ضايق محدثيها في بلدهم فتجمعوا عليه وذاكروه فأعوزه أن يغرب عليهم ففزع إلى تلك الحكاية فقال : الزهري عن عروة ... فاستفظع الجماعة الحكاية ثم بدا لهم أن يتخذوها