كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

وصف باستمرار الموصوف على ما سبق أن قاله ، ومحاولة أن يخيل للسامع صحته . وقوله في الرواية الأخرى (( لقام حجته )) ظاهر في المعنى الثاني فإنه لا يمكن أن تكون هناك حجة حقيقة على أن الحجر أو الخشب ذهب وإنما قد يمكن أن تورد شبهة يتوهم السمع أنها حجة . وهذا المعنى كما تقدم وصف بقوة العارضة والقدرة على الجدل، وهو فيما بين الناس مدح ، فأما بالنظر إلى الأحكام الشرعية فيحتمل المدح بأن يكون المقصود أن أبا حنيفة كان من القدرة على بيان الحق وإقامة الحجة عليه غاية بحيث لو فرض أنه ادعى الباطل لأمكنه أن يخيل لسامع أنه حق فما بالك بالحق ؟ ويحتمل الذم بأن يكون المقصود أنه كان ماهراً في الجدل والمخاصمة بحيث يُرى الباطل حقاً والحق باطلاً .
وزعم الأستاذ أن ابن أبي حاتم إنما سمع الحكاية بلفظ (( لقام بحجته )) فغيرها إلى ما وقع في روايته ليصرفها إلى الذم ، تهمة باطلة وفرية كاذبة وبهتان عظيم .
أولاً : لما ثبت من ديانة ابن أبي حاتم وأمانته وصدقه وورعه .
ثانياً : لأن اللفظ الواقع في روايته يحتمل ن يكون مدحاً كما مر فلو كان ممن يستحل التغيير لغير إلى لفظ صريح في الذم واستغنى عن التفسير الذي يمكن أن ينازع فيه .
ثالثاً : لفظ (( لقام حجته )) يحتمل أن يكون ذماً أيضاً كما مر فلو كان ابن أبي حاتم حريصاً على أن يحمل الحكاية على الذم لأمكنه أن يفسر هذا اللفظ بما يقتضي الذم ويحتج بقول الله عز وجل { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } وبعد أحاديث معروفة ، فما الذي يلجئ ابن أبي حاتم إلى أن يضحي بأمانته في النقل وهي رأس مال مثله لأجل غرض يمكنه تحصيله بدون تلك التضحية ؟
ولو فرضنا أن الحكاية رويت عن ابن أبي سريج من عدة أوجه صحيحة وثيقة يجب ترجيحها على رواية ابن بي حاتم لما ساغ أن يتهم ، بل يحمل على أنه سمع الحكاية ، ففهم منها المعنى الذي ظهر من اللفظ الذي عبر به ولم يكتبها ، ثم مضت عليها مدة فاحتاج إلى أن يذكر الحكاية فلم يتذكر لفظها فعبر عنها بما يراه يؤدي ذلك المعنى الذي فهمه . واحتاط فلم يأت بلفظ صريح ، بل أتى بلفظ محتمل ، ثم فسره بالمعنى الذي فهمه . ومثل هذا أو

الصفحة 322