كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

الأستاذ (( فوجدناه باهتا )) فأطال في محاولة توجيهه بما أشعر أنه يمتنع أن يقول أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ن فإن اقدم جاهل على امتنع أن لا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع .
فأقول ك أما امتناع القول ، فإن كان المراد أن قائل ذلك إنسان ينتحل الإسلام فهذا لا وجه له ، فقد غلا كثيرا من منتحلي الإسلام في أفراد فادعوا لهم العصمة أو النبوة أو الألوهية ، وذلك معروف مشهور . وقد حكيت عن أبي حنيفة كلمات لا يبعد أن يسمعها بعض جهلة معظميه فيتوهم أن الحكام التي مردها إلى القضاة بمنزلة الرأي في مصالح الدنيا كتدبير الحروب والمعايش وقد قال الله تبارك وتعالى لرسوله : [ وشاورهم في الأمر ] وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أنتم أعلم بأمر دنياكم )) (1) وانه ربما كان يرى الرأي في تدبير الحرب فيخبره بعض أصحابه بأن غيره أولى فيرجع إلى قوله . فمن تلك الكلمات ما حكى عنه في تلقيه من يذكر له حديثا يخالف قوله بمثل (( من أصحابي من يبول قلتين . هذا حديث خرافة . لا آخذ به . دعنا من هذا . هذا رجز . هذا سجع . هذيان . حك هذا بذنب خنزيز )) وما عزي إليه من قوله ك (( لو أركني النبي ( في رواية : رسول الله ) صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من قولي )) زاد في رواية (( وهل الدين إلا الرأي الحسن ؟ )) وقد ذكرها الأستاذ ص 75 و85 . وهذه الكلمة قد يكون أريد بها أن كثيراً مما أقوله باجتهادي موافق للحق فلو كنت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لعلم صحة كثير من قولي وصوبه وحكم بما يوافقه كما يروي من موافقات عمر أنه قد كان يرى الرأي أو يقول القول فينزل القرآن بموافقته . فأما قوله : (( وهل الدين إلا الرأي الحسن )) فالرأي الحسن حقاً هو المطابق للحكمة الحقة حق المطابقة وكذلك الدين . وقد زعم بعضهم أن آبا حنيفة إنما قال : (( لو أدركني البتي .... )) فصحف بعضهم فقال : (( النبي )) ثم رواها بعضهم بالمعنى فقال : (( رسول الله )) وجرى الأستاذ على هذا ولا بأس بالنظر فيه ، قال الأستاذ : (( وأما
__________
(1) قلت : أخرجه مسلم في (( صحيحه )) من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما . ن .

الصفحة 351