كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

الثاني : أن في ( مسانيد أبي حنيفة ) أحاديث كثيرة من طريق ابن المبارك عنه .
الثالث : كثرة ما يروي من ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة .
أقول : أما الوجه الأول فلا يخفي وهنه فإن ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة كان في أواخر عمره كما صرحت به الروايات فقد لا يكون ذلك بلغ ابن مهدي حين أنشد المرثية وقد يكون بلغة ولكنه رأى أن الرواية قد وقعت ووقع ما يترتب عليها من المفسدة وتركها باخرة لا يمحو تلك المفسدة ولم يكن المنشد في مقام الاحتجاج بأن ابن المبارك كان يروي عن أبي حنيفة حتى يحتاج ابن مهدي إلى أن يقول له : قد تركه باخرة وإنما سمع شعرا فأنشده.
وأبو تميلة لم يثن على ابن المبارك بأنه كان يروي عن أبي حنيفة وإنما أثنى عليه بأنه كان بصيرا برأيه والبصر بالرأي فضيلة على كل حال لا يعاب بها أحد وإنما يعاب الرغبة عن السنة وردها بالرأي وكان ابن المبارك بحمد الله عز وجل بريئا من ذلك أولا وأخرا . وأما أن أهل بلده الرجل أعرف بأحواله فلا يجدي شيئا لأن أبا تميلة لم يشر أدنى إشارة إلى نفي الترك ولو أشار أو صرح لم يكن في ذلك ما يدفع روايته
المثبتين ومنهم من كان أخص بابن المبارك من أبي تميلة كالحسن بن الربيع الذي غمض ابن المبارك عند موته . وأما مسانيد ( أبي حنيفة ) فقد تقدم الكلام فيها في ترجمة الجراح بن منهال فأن صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة فهو مما رواه سابقا فأنه لا يلزم من تركه الرواية عنه باخرة أن يمحي ما رواه سابقا من الصدور والدفاتر ولا يتحتم على من بلغه الترك باخرة أن لا يروي ما سمعه سابقا .
وأما ما يروي عن ابن المبارك من الثناء فحله تعرف بالنظر في أسانيده ومترنه كتلك الأبيات السخيفة التي يلهج بها الحنيفة ومنهم الأستاذ . وقوم لم يتورعوا عن الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مناقب إمامهم كيف يستبعد منهم الكذب على ابن المبارك ؟ فإن قوي شيء من تلك الروايات فليوازن بينه وبين روايات الذم , على أنه لا مانع من أن يثني على رجل لمعنى ويذم لمعنى آخر بل هذا موجود بكثرة .

الصفحة 387