كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

7 - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟
قد ينقل في راو جرح وتعديل ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط أحدهما أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة، فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان فالمشهور في ذلك قضيتان:
الأولى: أن الجرح إذا لم يبين سببه فالعمل على التعديل، وهذا إنما يطرد في الشاهد لأن معدله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب فإذا أبى أن يفسر كان آباؤه موهناً لجرحه.
فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلماً بالعدالة مثل ((هو فاسق)) والتعديل مطلق والمعدل غير خبير بحال الراوي إنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه، وذلك كما لو قال مالك في مدني ((هو فاسق)) ثم جاء ابن معين فقال ((هو ثقة)) وقد يكون المعدل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة فعدله بناء على أنه رأي أحاديثه مستقيمة والجارح من أهل بلد الراوي، وذلك كما لو حجَّ رازي فاجتمع به ابن معين ببغداد فسمع منه مجلساً فوثقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه ((ليس بثقة ولا مأمون)) ففي هذه الأمثلة لا يخفي أن الجرح أولى أن يؤخذ به.
فالتحقيق أن كلاً من التعديل والجرح الذي لم يبين سببه يحتمل وقوع الخلل فيه، والذي ينبغي أن يؤخذ به منها هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد من احتماله في الآخر وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة كما إذا وجدنا البخاري ومسلما قد احتجا أو أحدهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر فأنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبا وقس على ذلك وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة عن ابن الصلاح وغيره لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان أو أحدهما بالراوي في شيء وقد لا يحتجان به، وإنما يخرجان له ما توبع عليه، ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة،

الصفحة 73