كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

الشافعي أن التدليس يثبت بمرة، لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليساً بأن تكون بقصد الإيهام والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
وزعم النووي في (شرح صحيح مسلم) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في (صحيحه) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم لقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء (صحيحه) تسعة عشر حديثاً كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في (صحيح البخاري) كما ذكره النووي أيضاً.
وهذا ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره، وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح.
وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة إطلاعه.
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في (صحيح البخاري)، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رد دعوى مسلم، فاضطروا إلى الأكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثت فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء بل ثبت في بعضها السماع، بل في (صحيح مسلم) نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك.
وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء. إنما هو لما يخرجه في (صحيحه) لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه ك‍ (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.
المبحث الثاني في ضبط المعاصرة المعتد بها على قول مسلم، ضبطها مسلم بقوله:
((كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز ممكن له لقاءه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد ... )) وجمعه بين ((جائز وممكن)) يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب

الصفحة 79