كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 1)

أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، قَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ قَالَ: فَجَعَلْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُنَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، قَالَ: فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُهُ، قَالَ: فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجَرْعَةِ فَاشْرَبْهَا، قَالَ: مَا زَالَ يُزَيِّنُ لِي حَتَّى شَرِبْتُهَا، فَلَمَّا وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ نَدَّمَنِي، قَالَ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ شَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَرَاهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ، فَتَهْلَكَ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، قَالَ: وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ مِنْ صُوفٍ، كُلَّمَا رُفِعَتْ عَلَى رَأْسِي خَرَجَتْ قَدَمَايَ، وَإِذَا أُرْسِلَتْ عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، قَالَ: وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي نَوْمٌ، قَالَ: وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، وَأَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، قُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلَكُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ §أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» -[184]- قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَجُسُّهُنَّ أَيَّتُهُنَّ أَسْمَنُ فَأَذْبَحُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ مَا كَانُوا يَطْعَمُونَ أَنْ يَحْلِبُوا فِيهِ، فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ ": أَمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ يَا مِقْدَادُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَأَخَذْتُ مَا بَقِيَ فَشَرِبْتُ، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَدْ رُوِيَ وَأَصَابَتْنِي دَعْوَتُهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «إِحْدَى سَوْءَاتِكَ يَا مِقْدَادُ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا، وَصَنَعَتْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «مَا كَانَتْ هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، أَفَلَا كُنْتَ أَدْنَيْتَنِي فَتُوقِظَ صَاحِبَيْكَ هَذَيْنِ فَيُصِيبَانِ مِنْهَا؟» قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذْ أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ

الصفحة 183