كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 1)

§ذِكْرُ الْمِعْرَاجِ وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، وَغَيْرِهِ مِنْ رِجَالِهِ، قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم §يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ السَّبْتِ لِسَبْعَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ شَهْرًا، وَرَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم نَائِمٌ فِي بَيْتِهِ ظُهْرًا، أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَقَالَا: انْطَلِقْ إِلَى مَا سَأَلْتَ اللَّهَ، فَانْطَلَقَا بِهِ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ، فَأُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ مَنْظَرًا، فَعَرَجَا بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً، فَلَقِيَ فِيهَا الْأَنْبِيَاءَ وَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَأُرِيَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لَمْ أَسْمَعْ إِلَّا صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا
§ذِكْرُ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ مُوسَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -[214]- وَغَيْرِهِمْ أَيْضًا قَدْ حَدَّثَنِي، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: " §حُمِلْتُ عَلَى دَابَّةٍ بَيْضَاءَ بَيْنَ الْحِمَارِ وَبَيْنَ الْبَغْلَةِ فِي فَخْذَيْهَا جَنَاحَانِ تَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمَّا دَنَوْتُ لِأَرْكَبَهَا شَمَسَتْ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيِينَ يَا بُرَاقُ مِمَّا تَصْنَعِينَ، وَاللَّهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ عَبْدٌ لِلَّهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، فَاسْتَحْيَتْ حَتَّى ارْفَضَّتْ عَرَقًا، ثُمَّ قَرَّتْ حَتَّى رَكِبْتُهَا، فَعَمِلَتْ بِأُذُنَيْهَا، وَقَبَضَتِ الْأَرْضَ حَتَّى كَانَ مُنْتَهَى وَقْعِ حَافِرِهَا طَرُفَهَا، وَكَانَتْ طَوِيلَةَ الظَّهْرِ طَوِيلَةَ الْأُذُنَيْنِ، وَخَرَجَ مَعِيَ جِبْرِيلُ لَا يَفُوتُنِي، وَلَا أَفُوتُهُ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَانْتَهَى الْبُرَاقُ إِلَى مَوْقِفِهِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ، فَرَبَطَهُ فِيهِ، وَكَانَ مَرْبِطُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: " وَرَأَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ جُمِعُوا لِي، فَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى صَلَّيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَسَأَلْتُهُمْ، فَقَالُوا: بُعِثْنَا بِالتَّوْحِيدِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فُقِدَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَفَرَّقَتْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَطْلُبُونَهُ وَيَلْتَمِسُونَهُ، وَخَرَجَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى بَلَغَ ذَا طُوًى، فَجَعَلَ يَصْرُخُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لَبَّيْكَ» قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي عَنَّيْتَ قَوْمَكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَأَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: «أَتَيْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» قَالَ: فِي لَيْلَتِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: هَلْ أَصَابَكَ إِلَّا خَيْرٌ، قَالَ: «مَا أَصَابَنِي إِلَّا خَيْرٌ» وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئِ ابْنَةُ أَبِي طَالِبٍ: مَا أُسْرِيَ بِهِ إِلَّا مِنْ بَيْتِنَا نَامَ عِنْدَنَا تِلْكَ اللَّيْلَةِ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ نَامَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْبَهْنَاهُ لِلصُّبُحِ -[215]-، فَقَامَ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ، قَالَ: «يَا أُمَّ هَانِئٍ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشَاءَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ قَدْ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَكُمْ» ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَقُلْتُ: لَا تُحَدِّثْ هَذَا النَّاسَ فَيُكَذِّبُوكَ وَيُؤْذُوكَ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُحَدِّثُنَّهُمْ» فَأَخْبَرَهُمْ فَتَعَجَّبُوا، وَقَالُوا: لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطُّ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم لِجِبْرِيلَ: «يَا جِبْرِيلُ، إِنَّ قَوْمِي لَا يُصَدِّقُونَنِي» قَالَ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصِّدِّيقُ، فَأَتَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا كَانُوا قَدْ صَلُّوا وَسَلَّمُوا، وَقُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَخُيِّلَ إِلَيَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَطَفَفْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمْ لِلْمَسْجِدِ مِنْ بَابٍ؟ وَلَمْ أَكُنْ عَدَدْتُ أَبْوَابَهُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعُدُّهَا بَابًا بَابًا، وَأُعْلِمُهُمْ وَأَخْبَرْتُهُمْ عَنْ عِيرَاتٍ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَعَلَامَاتٍ فِيهَا، فَوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرْتُهُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ رَآهَا بِعَيْنِهِ

الصفحة 213