كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 1)

بَكْرٍ: الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «بِالثَّمَنِ» وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ اشْتَرَاهُمَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ، فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْقَصْوَاءُ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَاتَ فِيهِ عَلِيٌّ وَتَغَشَّى بُرْدًا أَحْمَرَ حَضْرَمِيًّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَنَامُ فِيهِ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ النَّفْرُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَطَلَّعُونَ مِنْ صِيرِ الْبَابِ وَيَرْصُدُونَهُ يُرِيدُونَ ثِيَابَهُ، وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَحْمِلُ عَلَى الْمُضْطَجِعِ صَاحِبَ الْفِرَاشِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى الْبَابِ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ يَذَرُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَتْلُو {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 2] حَتَّى بَلَغَ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يَؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ قَائِلٌ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا قَالَ: خِبْتِمْ وَخَسِرْتُمْ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ وَذَرَّ عَلَى رُءُوسِكُمُ التُّرَابَ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَبْصَرْنَاهُ، وَقَامُوا يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، وَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَابْنُ الْغَيْطَلَةِ وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو لَهَبٍ وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ عَلِيٌّ عَنِ الْفِرَاشِ فَسَأَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ، وَصَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فَمَضِيَا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلَاهُ، وَضَرَبَتِ الْعَنْكَبُوتُ عَلَى بَابِهِ بِعِشَاشٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَطَلَبَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَشَدَّ الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ عَلَيْهِ الْعَنْكَبُوتَ قَبْلَ مِيلَادِ مُحَمَّدٍ فَانْصَرَفُوا
أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَوْنُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ، أَخُو رِيَاحٍ -[229]- الْقَيْسِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: أَدْرَكْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَسَمِعْتُهُمْ يَتَحَدَّثُونَ " أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْغَارِ §أَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم فَسَتَرَتْهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَى وَجْهِهِ فَسَتَرَتْهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا بِفَمِ الْغَارِ، وَأَقْبَلَ فَتَيَانُ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ بِأَسْيَافِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ وَهِرَاوَاتِهِمْ حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم قَدْرَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، نَظَرَ أَوَّلُهُمْ فَرَأَى الْحَمَامَتَيْنِ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَا لَكَ لَمْ تَنْظُرْ فِي الْغَارِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ فَعَرَفْتُ أَنْ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، قَالَ: فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم قَوْلَهُ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأَ عَنْهُ بِهِمَا، فَسَمَّتَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم عَلَيْهِنَّ وَفَرَضَ جَزَاءَهُنَّ وَانْحَدَرْنَ فِي حَرَمِ اللَّهِ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَوَّلِ، قَالُوا: وَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةُ غَنَمٍ يَرْعَاهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَكَانَ يَأْتِيهِمْ بِهَا لَيْلًا فَيَحْتَلِبُونَ، فَإِذَا كَانَ سَحَرٌ سَرَحَ مَعَ النَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَبَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ، وَقَطَعَتْ أُخْرَى فَصَيَّرَتْهُ عِصَامًا لِفَمِ الْقِرْبَةِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَاسْتَأْجَرَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ الْكُفْرِ وَلَكِنَّهُمَا أَمِنَاهُ فَارْتَحَلَا، وَمَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَأَخَذَ بِهِمُ ابْنُ أُرَيْقِطٍ يَرْتَجِزُ فَمَا شَعَرَتْ قُرَيْشٌ أَيْنَ وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم حَتَّى سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ جِنِّيٍّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ:
[البحر الطويل]
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أَمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلَا بِهِ ... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

الصفحة 228

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text