كتاب توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية (اسم الجزء: 1)

إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِهِ على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِهِ عليه، وأَفْتِهِ به دون عرف بلدك والمقررِ في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمودُ على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلإق، والعتق، وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا مستغنية عن النية ... " (¬1).
وقد نقل ابن القَيِّمِ (ت: 751 هـ) معنى ذلك عن المالكية، ثم عقب عليه بقوله: "وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضلَّ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم" (¬2)، وهذا ظاهر، وهو من أسباب اختلاف أقوال الأئمة في المسألة الواحدة، كأَنْ يقول فيها بقول وهي على
¬__________
(¬1) الفروق 1/ 176، 177، وانظر في المعنى نفسه: الفروق 3/ 29، 162، الإحكام 117، شرح الزرقاني على خليل 3/ 129، إعلام الموقعين 3/ 78، العقود الياقوتية 194، الخيار لعبد الستار أبو غدة 2/ 391.
(¬2) إعلام الموقعين 3/ 78.

الصفحة 427