كتاب سلسلة ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية (اسم الجزء: 1)
يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه، فمكث على الطور يناجيه ربه، ويسأله موسى عليه السلام عن أشياء كثيرة، وهو تعالى يجيبه عنها، فعمد رجل منهم يقال له: هارون السامري، فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلا، وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرق اللّه فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي، ويقال: إنه استحال عِجْلًا جَسَداً أي لحما ودما حيا يخور، قاله قتادة وغيره. وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة، فيرقصون حوله ويفرحون فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلبه، وهو هاهنا تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا، وتقدست أسماؤه وصفاته وتضاعفت آلاؤه وعداته، قال اللّه تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا إليه وما عولوا عليه من إلهية هذا الذى قصاراه أن يكون حيوانا بهيما أو شيطانا رجيما: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً، وقال: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم، ولا يرد جوابا، ولا يملك ضرا ولا نفعا، ولا يهدي إلى رشد، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا على ما صنعوا ورَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ولما رجع موسى عليه السلام إليهم، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها، فيقال: إنه كسرها، وهكذا هو عند أهل الكتاب وإن اللّه أبدله غيرها، وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين.
وعند أهل الكتاب: أنهما كانا لوحين، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة، ولم يتأثر بمجرد الخبر من اللّه تعالى عن عبادة العجل، فأمره بمعاينة ذلك، ولهذا جاء في الحديث الذى رواه الإمام أحمد وابن حبان عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: