كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
ولا تقول: (يكبُر)، على القياسِ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: آية 6] لأنه هنا مضارعُ (كبِر) بكسرِ الباءِ، (يَكْبَر) بفتحِها على القياسِ، ومنه بهذا المعنى الأخيرِ قولُ مجنونِ بَنِي عامر (¬1):
تَعَشَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ ذَوَائِبٍ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبُهْمُ
هذان معنى (كَبُرَ) و (كَبِرَ)؛ لأنهما معنيانِ مختلفانِ يتغيرُ المعنى بهما. وهذا معنى قولِه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي
الأَرْضِ} النفقُ: السَّرَبُ في داخلِ الأرضِ (¬2)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬3):
وَلاَ لَكُمَا مَنْجًى مِنَ الأَرْضِ فَابْغِيَا ... بِهَا نَفَقًا أَوْ فِي السَّمَوَاتِ سُلَّمَا
وَيُجْمَعُ النفقُ على أنفاقٍ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (¬4):
خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا ... خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبِ
¬_________
(¬1) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (45) من سورة البقرة.
(¬2) مضى قريبا.
(¬3) البيت لكعب بن زهير. وهو في البحر المحيط (4/ 114)، الدر المصون (4/ 610).
(¬4) ديوان امرئ القيس ص (36). وقبله:
ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا ... على جدَد الصحراء من شد مُلهبِ
والمعنى: خفاهن: أظهرهن، يعني الفئران. أنفاقهن: أجحارهن. الودق: المطر. فهو يقول: إن شدة وقع حوافر هذا الجواد على الأرض أوهم الفئران في أجحارهن بأنه وقع مطر شديد فتركت أنفاقها، وخرجت ناجية بأرواحها إلى مرتفعات الأرض.