كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
أَوْضَحْنَا لهم طريقَ الخيرِ وَالشَّرِّ بَيِّنَةً على لسانِ نَبِيِّنَا صالحٍ. وليس هذا الْهُدَى (هُدَى تَوْفِيقٍ)، وإنما هو (هُدَى بَيَانٍ) فَقَطْ بدليلِ قولِه: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: آية 17] فَتَبَيَّنَ أن قولَه: {فَهَدَيْنَاهُمْ} ليس (هُدَى تَوْفِيقٍ)، وإنما هو (هُدَى بَيَانٍ) وإيضاحٍ للحقِّ من الباطلِ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى في الإنسانِ: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: آية 3] لأن معنى قولِه: {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي بَيَّنَّا له طريقَ الخيرِ والشرِّ، وَأَوْضَحْنَا له ما يُتَّقَى وما يُفْعَلُ، بدليلِ قولِه بعدَه: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: آية 3] لأنه لو كان (هُدَى تَوْفِيقٍ) لَمَا فَصَّلَهُ بقولِه: {وَإِمَّا كَفُورًا} ومن إطلاقِ الْهُدَى بمعناه الخاصِّ قولُه في النَّبِيِّينَ الذين ذَكَرَهُمْ في الأنعامِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90] وهو بمعناه الخاصِّ: التوفيقُ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ.
وإذا علمتُم أن للهدى إِطْلاَقَيْنِ: إطلاقًا عَامًّا، وإطلاقًا خَاصًّا (¬1)، وأن إطلاقَه العامَّ معناه الهدى بمعنى البيانِ والإرشادِ وبيانِ الحقِّ وإيضاحِه، وأن معناه الخاصَّ هو تفضُّلُ اللَّهِ بالتوفيقِ على عبدِه، وأن يهديَه إلى طريقِ الخيرِ، كما قال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} [الأنعام: آية 125] أي: بهذا الهدى الخاصِّ {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}.
بهذا التفصيلِ تزولُ عنكم إشكالاتٌ في كتابِ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ مثلا
¬_________
(¬1) انظر: شفاء العليل ص (65)، دفع إيهام الاضطراب ص (7 - 8) (ملحق لآخر الجزء التاسع من أضواء البيان).