كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)

وقولُه تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الضميرُ عائدٌ إلى الأممِ المذكورةِ {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}.
وَيُشكلُ عليه: أنه رَدَّ عليه الضميرَ بصيغةِ ضميرِ العقلاءِ، والطيورُ والدوابُّ ليست من العقلاءِ؟
والجوابُ (¬1): أنه لَمَّا شَبَّهَهُمْ بالعقلاءِ وقال: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} فعندَ هذا التشبيهِ بالعقلاءِ يُسوِّغُ ذلك أن يَبْنِيَ عليهم ضميرَ العقلاءِ.
وقد تقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن غيرَ العاقلِ كُلَّمَا شُبِّهَ بالعاقلِ جرى عليه في الضمائرِ ونوع الصِّيَغِ ما يجري على العاقلِ (¬2). ونظيرُه في القرآنِ قولُه تعالى في رُؤْيَا يوسفَ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} قال: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: آية 4] فَجُمِعَ جمعَ المذكرِ السالمِ المختصِّ بالعقلاءِ؛ لأنها لَمَّا اتَّصَفَتْ بالسجودِ أَشْبَهَتِ العقلاءَ من هذه الحيثيةِ، فَجَرَتْ عليها صيغةُ العقلاءِ. وكذلك قولُه: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: آية 11] لأنه لَمَّا خاطبَ السماواتِ والأرضَ خطابَ العقلاءِ، وَصَرَّحَتْ بالإطاعةِ كما يطيعُ العاقلُ، أجرى عليها جمعَ المذكرِ السالمِ المختصِّ بالعاقلِ كما هنا.
{ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ يومَ القيامةِ أحياء.
وقد جاء في حديثٍ عن أبي هريرةَ (¬3)،
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 121).
(¬2) انظر: ابن جرير (3/ 256)، (15/ 556)، فقه اللغة للثعالبي (297)، البرهان للزركشي (2/ 246)، البحر المحيط (4/ 199)، الدر المصون (5/ 100)، قواعد التفسير (307).
(¬3) أخرجه ابن جرير (13222)، (11/ 347)، وابن أبي حاتم في التفسير (4/ 1286)، وكذا الحاكم (2/ 316) وقال: (صحيح على شرطه - أي مسلم - ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وأورده ابن كثير في التفسير (2/ 131)، والسيوطي في الدر المنثور (3/ 11) وعزاه لعبد الرزاق، وأبي عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم. وهو موقوف على أبي هريرة (رضي الله عنه) لكن له حكم الرفع.

الصفحة 218