كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)

جَاءَتْكُمْ بَلِيَّةٌ مِنَ البلايا {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} بأن هَاجَ عليكم البحرُ ورأيتم الموتَ عِيَانًا {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} من بلاءٍ عظيمٍ وداهيةٍ عُظْمَى {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}؟؟ أَتَدْعُونَ في ذلك الوقتِ غيرَ اللَّهِ من هذه الأصنامِ التي تَعْبُدُونَ دُونَهُ؟ والمعنى: كَلاَّ لاَ تَدْعُونَ في ذلك الوقتِ إلا إياه وحدَه، كما صَرَّحَ به في قولِه: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: آية 41] وَقَدَّمَ المفعولَ للحصرِ، أي: لا تَدْعُونَ وقتَ الشدائدِ إلا إياه وحدَه؛ لأنكم تعلمونَ أنه هو الذي بِيَدِهِ إزالتُها، وأن غيرَه لا يقدرُ على رفعِ الكرباتِ عَنْكُمْ، ثم قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} اسْتَشْكَلَ بعضُ العلماءِ (إلى) بعدَ (تَدْعُونَ) وقد قال بعضُ الْمُحَقِّقِينَ (¬1): إن [(دَعَا) قد تُضَمَّنُ مادةَ (لَجَأَ) كما قد تَتَعَدَّى بـ] (¬2) (إلى) كما في قوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ} وكما قال الشاعرُ (¬3):
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 129)، الدر المصون (4/ 631).
(¬2) في الأصل: «(تدعون) قد تُضَمَّن مادة (دعا) قد تتعدى إلى». ولا يخفى أن الكلام بهذا السياق مُختل؛ وذلك أن مادة: (دعا) تتعدى بنفسها إلى المفعول إذا كانت بمعنى
(¬3) السؤال والاستغاثة والطلب، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} [الزمر: آية 8]. وقد تأتي بمعنى الحث على فعل شيء أو تركه، وحينها تتعدى بـ (إلى) كما في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: آية 33]. وهنا في آية الأنعام المراد بالدعاء: سؤال الله واللَّجَأ إليه، وقد استشكل بعض العلماء تعدية (تدعون) بـ (إلى)، وبناء على ذلك وقع الخلاف في توجيه ذلك، فقيل: معنى الآية: «فيكشف ما تدعون - أي: تطلبون وتحثون - إلى كشفه». وبهذا يصح تعدية (تدعون) بـ (إلى) .. وقيل: بل هي على معنى سؤال الله وطلبه، ولكنها قد ضُمِّنَت معنى (تلجؤون) فصح تعديتها بـ (إلى). والله أعلم.
() البيت لبشامة بن حزن النهشلي. وهو في البحر المحيط (4/ 129)، الدر المصون (1/ 468).

الصفحة 238