كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)

والتحقيقُ: أن الجموعَ المنكَّرة إذا كانت في سياقِ الإثباتِ ليست من صيغِ العمومِ (¬1)، [وَمَنْ] (¬2) زَعَمَ مِنْ علماءِ الأصولِ: «أن الجمعَ المُنَكَّرَ من صيغِ العمومِ» فهو قولٌ مردودٌ، كما هو معروفٌ في الأصولِ، أما في الأعرافِ فقد بَيَّنَ أن هذه السُّنَّةَ من سُنَنِ اللَّهِ، أنها عامةٌ حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: الآيتان 94، 95] يعني: بَدَّلْنَا مكانَ الجوعِ شِبَعًا، ومكانَ الفقرِ غِنًى، ومكانَ المرضِ صحةً وعافيةً؛ {حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} هذه سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ، ذَكَرَهَا هنا في الأنعامِ، وَبَيِّنٌ الشمولُ والعمومُ في الأعرافِ.
ومعنى الآيةِ الكريمةِ: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (التضرعُ): التذللُ والخضوعُ لِلَّهِ (¬3)، وكثيرًا ما يَظْهَرُ أثرُ ذلك في الدعاءِ بأن يبتهلَ ذلك الذليلُ الخائفُ من الله يبتهلُ مُتَضَرِّعًا يُنَاجِي رَبَّهُ (جل وعلا). و (الضارعُ): هو الذليلُ الخائفُ، و (الضَّرَاعَةُ): الذلُّ والخشوعُ والخوفُ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، مشهورٌ في كلامِهم، ومنه قولُ الشاعرِ (¬4):
¬_________
(¬1) في هذه المسألة راجع؛ شرح الكوكب المنير (3/ 139)، شرح مختصر الروضة (2/ 473)، أضواء البيان (1/ 218)، (3/ 321)، (4/ 174).
(¬2) في الأصل: «وما».
(¬3) انظر: المفردات (مادة: ضرع) (506).
(¬4) البيت لنهشل بن حري، أو ضرار بن نهشل، وقيل غير ذلك. وعجره:
ومُخْتَبِط مِمَّا تُطيح الطوائح
وهو في الكتاب لسيبويه (1/ 288، 366، 398)، المحتسب (1/ 230)، الخصائص (2/ 353)، الخزانة (1/ 147).

الصفحة 246