كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)

عَجِبْتُ لِلُطْفِ اللَّهِ فِينَا وَقَدْ بَدَا لَهُ صَدْفُنَا عَنْ كُلِّ وَحْيٍ مُنَزَّلِ
(صَدْفُنَا) أَيْ: إِعْرَاضُنَا. ومن هذا المعنى قولُ ابنِ الرّقاعِ يمدحُ نسوةُ، قال (¬1):
إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ
جمع صادفةٍ، أي: مُعْرِضَاتٍ صاداتٍ عنه، وهذا يُسْتَبْعَدُ؛ لأن (ثُمَّ) هنا للاستبعادِ كما حَقَّقَهُ بعضُ العلماءِ؛ لأنه يُسْتَبْعَدُ مِمَّنْ صَرَّفَ له خالقُه الآياتِ، وبيَّن له هذا من البيانِ، يستبعدُ منه بعدَ هذا: الإعراضَ والصدودَ عن اللَّهِ جل وعلا.
وَمِنْ إتيانِ (ثُمَّ) للاستبعادِ قولُ الشاعرِ (¬2):
وَلاَ يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلاَّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا
لأن مَنْ عَايَنَ غمراتِ الموتِ يُسْتَبْعَدُ منه اقتحامُها والوقوعُ فيها. وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}.
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: آية 47] {قُلْ} لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {أَرَأَيْتَكُمْ} أَخْبِرُونِي {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} كان الحسنُ البصريُّ يقولُ: {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} أي: ليلاً أو نهارًا (¬3)، وهذا التفسيرُ ليس كما ينبغي، بل التحقيقُ أن معنَى بغتة: أي: أَتَاكُمُ العذابُ في
¬_________
(¬1) البيت في ابن جرير (11/ 366)، القرطبي (6/ 428)، البحر المحيط (4/ 117)، الدر المصون (4/ 636)، الأضواء (2/ 283).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (74) من سورة البقرة.
(¬3) انظر: القرطبي (6/ 429).

الصفحة 276