كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)

على إعلامٍ مقترنٍ بتهديدٍ. فَكُلُّ إنذارٍ إعلامٌ، وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا، وهذا معنَى قولِه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} مَنْ أَطَاعَنَا بالجنةِ، {وَمُنْذِرِينَ} مَنْ عَصَانَا بالنارِ، ثم بَيَّنَ مَنْ هُمُ المُبَشَّرونَ وما صفاتُهم، وَمَنْ هُمُ المُنْذَرُون وما صفاتُهم، فقال مُبَيِّنًا صفاتِ المُبَشَّرين على ما يسمونه: (اللفَّ والنشرَ المرتبَ)، فَمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحًا فلهم البشارةُ العُظْمَى؛ بأنهم لا خوفَ عليهم ولا هُمْ يحزنونَ، مع ما ينالونَ من النعيمِ.
وقولُه: {فَمَنْ آمَنَ} أصلُ الإيمانِ في لغةِ العربِ: التصديقُ (¬1). وهو في اصطلاحِ الشرعِ: التصديقُ التامُّ، أعني: التصديقَ من الجهاتِ الثلاثِ، وهو تصديقُ القلبِ بالاعتقادِ، واللسانِ بالإقرارِ، والجوارحِ بالعملِ. فالإيمانُ: قولٌ وعملٌ (¬2)، كما عليه مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ، والآياتُ والأحاديثُ الدالةُ عليه لا تكادُ تُحْصَى. في الحديثِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا» (¬3) فَسَمَّى الصومَ:
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (55) من سورة البقرة.
(¬2) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/ 830 - 851)، (5/ 885 - 889)، تعظيم قدر الصلاة (1/ 292 - 437)، الإيمان لابن تيمية (112 - 125، 135 - 141، 152، 162، 170، 175، 178 - 181، 190، 207، 245، 274، 275، 281 - 287، 300).
(¬3) كلاهما من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)، وقد أخرجهما الشيخان. انظر: البخاري، كتاب الإيمان، باب: قيام ليلة القدر من الإيمان (35)، (1/ 91)، تطوع قيام رمضان من الإيمان (37)، (1/ 92)، باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان (38)، (1/ 92)، وقد أخرجهما في مواضع أخرى، انظر: الأحاديث (1901، 2008، 2009، 2014)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (759، 760)، (1/ 523 - 524).

الصفحة 282