كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
امتثلَ الأوامرَ، واجتنبَ النواهيَ، هذا الْقِسْمُ من الناسِ هم المُبَشَّرونَ الذين فيهم: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} وقال اللَّهُ فيهم: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يعني يومَ القيامةِ: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
و (الخوفُ) في لغةِ العربِ: هو الغَمُّ من أمرٍ مستقبلٍ خاصةً.
و (الحزنُ) في لغةِ العربِ: هو الغمُّ من أمرٍ قد فاتَ وَمَضَى. تقولُ: «فلانٌ أُصِيبَ بالأمسِ، فهو اليومَ حزينٌ» وتقولُ: «فلانٌ خائفٌ» أي: يَغْتَمُّ مِنْ أمرٍ مستقبلٍ. هذا أصلُه معنى (الخوفِ) ومعنى (الحزنِ) (¬1) - أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منهما - وربما وُضِعَ أحدُهما موضعَ الآخَرِ، وربما أَطْلَقَتِ العربُ (الخوفَ) على غيرِ (الحزنِ)، وَمِنْ إطلاقاتِ العربِ الخوفَ: إطلاقُها الخوفَ على العلم (¬2)، تقولُ العربُ: «إِنِّي أخافُ أن يقعَ كذا» بمعنى: أعلمُ أن يقعَ كذا، وقد بَيَّنَّا هذا المعنَى في سورةِ البقرةِ في الكلامِ على قولِه: {إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: آية 229] قال بعضُ العلماءِ معنَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا} أي: فإن عَلِمْتُمْ ألاَّ يقيما حدودَ اللَّهِ. ومن إطلاقِ (الخوفِ) لاَ بمعنَى (الحزنِ)، بل بمعنَى العلمِ اليقينيِّ: قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في بَيْتَيْهِ المشهورين (¬3):
إِذَا مُتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظَامِي فِي الْمَمَاتِ عُرُوقُهَا
¬_________
(¬1) في الفرق بين الخوف والحزن انظر: القرطبي (1/ 329)، الكليات ص 428.
(¬2) الكليات ص 429، الخزانة (3/ 550 - 551)، الدر المصون (2/ 264 - 265).
(¬3) البيتان في الخزانة (3/ 550)، الدر المصون (2/ 265)، الكامل لابن الأثير (2/ 331)، الإصابة (4/ 175).
الصفحة 284