كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
كان الكفارُ يقولونَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اعْبُدْ معنا آلِهَتَنَا مرةً، ونعبدُ معكَ إلهكَ مرةً أُخْرَى!! فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أن يقولَ لهم: إنه لا يعبدُ ما يَدَّعُونَ من دونِ اللَّهِ، قُلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {إِنِّي نُهِيتُ} أي: نَهَانِي رَبِّي {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} والمعنَى: نَهَانِي أن أعبدَ الأصنامَ التي تعبدونَها من دونِ اللَّهِ، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها في قولِه: {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} مجرورٌ بحرفٍ محذوفٍ؛ لأن (نهى) تَتَعَدَّى بـ (عن) تقولُ: «نَهَانِي رَبِّي عن كذا». كما تقدمَ في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: آية 26] لأن (نَهَى) تتعدى بـ (عن)، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها يَطَّردُ جَرُّهُ بحرفِ الجرِّ المحذوفِ، كما هو معروفٌ (¬1)، وتقريرُ المعنى: نَهَانِي رَبِّي عن أن أعبدَ الذين. وسَبْكُ المصدرِ: نَهَانِي رَبِّي عن عبادةِ الذين تدعونَ من دونِ اللَّهِ، وهذا نَهْيٌ عظيمٌ، ومعلومٌ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يعبدُ شيئًا من دُونِ اللَّهِ؛ إلا أن اللَّهَ يأمرُه وينهاهُ لِيُشَرِّعَ على لسانِه لأُمَّتِهِ.
إذا عَرَفْتُمْ أن المصدرَ المنسبكَ من (أن) وصلتِها في قولِه: {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ} مجرورٌ بـ (عن) محذوفةٍ، فَاعْلَمُوا أن علماءَ العربيةِ مختلفونَ في المصدرِ المنسبكِ من (أن) وصلتِها المجرورِ بحرفٍ محذوفٍ، هل مَحَلُّهُ الجرُّ أو محلُّه النصبُ (¬2)؟ وفائدةُ هذا الخلافِ تظهرُ فيما لو عَطَفْتَ عليه اسمًا خَالِصًا، فعلى أن محلَّه النصبَ يُنْصَبُ المعطوفُ بعدَه، وعلى أن محلَّه الخفضَ يُخْفَضُ المعطوفُ عليه، وكبراءُ النحويين - منهم الخليلُ والكسائيُّ فمن حاذاهم - يقولون:
¬_________
(¬1) انظر: الدر المصون (4/ 656).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (67) من سورة البقرة.