كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
السكتِ؛ لأن هاءَ السكتِ ساكنةٌ على كُلِّ حَالٍ (¬1)، وإنما هي ضميرٌ راجعٌ إلى المصدرِ.
ومعنَى {اقْتَدِهِي} أي: الاقتداء فيكونُ بمعنَى اقْتَدِ اقْتِدَاءً بهم. هذا تخريجُ قراءةِ ابنِ عَامِرٍ (¬2).
ومعنَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اقْتَدِ بِهُدَاهُمْ، وَافْعَلْ كَمَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْهُدَى.
وهذه الآيةُ الكريمةُ هي التي أَخَذَ منها جماهيرُ العلماءِ - هي وأمثالُها في القرآنِ - أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شرعٌ لَنَا إِنْ ثَبَتَ في شرعِنا إِلاَّ بدليلٍ يدلُّ على أنه ليسَ شَرْعًا لنا.
وهذه مسألةٌ معروفةٌ في الأصولِ (¬3). اعْلَمْ أَوَّلاً: أن شرعَ مَنْ قَبْلَنَا له ثلاثُ حالاتٍ: تارةً يكونً شَرْعًا لنا بِلاَ خِلاَفٍ، وتارةً يكونُ غيرَ شرعٍ لَنَا بِلاَ خِلاَفٍ، وتارةً يكونُ مَحَلَّ خِلاَفٍ، هو الذي فيه كلامُ العلماءِ؛ لأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا واسطةٌ وَطَرَفَانِ: طرفٌ هو شَرْعٌ لَنَا إِجْمَاعًا، وطرفٌ لَيْسَ شَرْعًا لنا إِجْمَاعًا، وواسطةٌ هِيَ مَحَلُّ بحثِ العلماءِ وَخِلاَفُهُمْ.
أما الطرفُ الذي هو شَرْعٌ لَنَا إِجْمَاعًا: وهو ما وَرَدَ في شرعِنا أنه كان شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، ثُمَّ جَاءَنَا في شرعِنا أنه مشروعٌ لنا - كقتلِ
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 176).
(¬2) انظر: حجة القراءات 260.
(¬3) انظر: إحكام الفصول للباجي 327 - 332، القرطبي (7/ 35)، البحر المحيط (6/ 41 - 47)، شرح الكوكب المنير (4/ 412)، المذكرة في أصول الفقه 161، الأضواء (2/ 63).