كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 1)

"""""" صفحة رقم 118 """"""
يتوصلون للمعاصي فأعلم أن ذلك إن ورد الشرع به لم يكن خارجاً عن سنن المصالح والمصالح يتبع فيها ولا يبتدع هذا كلام الغزالي.
فعلق القول به على وروده من الشرع لأنه لم يقف فيه على حديث ، وقد صحت به الأحاديث والآثار عن الخلفاء الراشدين فإن قيل : التعزيز بإتلاف المال منسوخ في مذهبنا قلت : محل ذلك فيما لم يتعين طريقاً لإزالة الفساد ، أما ما تعين طريقاً لإزالته فإنه غير منسوخ فيه ولهذا فعله عمر بن الخطاب وغيره من الخلفاء الراشدين وهلم جراً ، وقد نص أصحابنا على مثل ذلك في فروع : منها قولهم يجوز كسر أواني الذهب والفضة لتحريم استعمالها واتخاذها ، ومنها قولهم : أن آلات الملاهي تكسر وهو متفق عليه عندنا ، ومنها قال الغزالي في الإحياء : للولاة كسر الظروف التي فيها الخمور زجراً وتأديباً دون الآحاد قال : وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم تأكيداً للزجر ولم يثبت نسخه هذا كلام الغزالي ، قال الأسنوي ، في شرح المنهاج بعد نقله : وهو من النفائس المهمات فانظر إلى قوله : ولم يثبت نسخه كيف صرح بأن هذا القسم مما لم يجر فيه النسخ وإن جرى في القسم الآخر. ومنها قال الغزالي في الإحياء في إراقة الخمور للآحاد : ولو كانت الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه أو لم يخف ذلك لكن كان فيه تضييع زمانه وتعطيل شغله فله كسرها ، إذا ليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من أشغاله لأجل ظروف الخمر نقله الأسنوي. وارتضاه ومنها قال الغزالي في الإحياء : لو كانت آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان وفي كسرها خسران مال كثير جاز كسرها ، ومنها قال الغزالي في الإحياء : لو أخبره عدلان أبتداء من غير استخبار أن فلاناً يشرب الخمر في داره ، أو بأن في داره خمراً أعده للشرب فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزمه الاستئذان ويكون قد تخطى ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر ككسر رأسه بالضرب للمنع مهما احتاج إليه ، ومنها قال الغزالي : يتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني ، وفي النهي عن لبس الحرير تمزيق الثوب أن وجد إلى ذلك سبيلاً ، فإن لم يقدر إلا بالكسر والتمزيق فله ذلك وسقطت قيمة الظرف ويقومه بسبب الخمر إذا صار حائلاً بينه وبين الوصول إلى الخمر ولو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد بدنه للضرب والجرح لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذا لا تزيد حرمة ملكه على حرمة نفسه انتهى.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في صفر سنة ثلاث عشرة وثلثمائة بلغ الخليفة المقتدر بالله أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد نراثا فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى ولاية محمد بن إسماعيل الذي بين الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرؤون من المقتدر ومن تبعه فأمر بالاحتفاظ عليهم واستفتى العلماء في المسجد المذكور فأفتوا بأنه مسجد ضرار يهدم كما هدم مسجد الضرار فأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء فهدمه نازوك صاحب الشرطة وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيه جماعة من الموتى.

الصفحة 118