كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 1)

"""""" صفحة رقم 131 """"""
وفي وجه حريم البئر قدر عمقها من كل جانب وبهذا يقاس حريم النهر هذا كلام الشيخين، ثم قالا بعد ذلك: عمارة حافات هذه الأنهار من وظائف بيت المال ويجوز أن يبني عليها قنطرة لعبور الناس لأن ذلك من مصالح المسلمين انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج مانصه: فرع عن أبي حنيفة لا حريم للنهر. وعن أبي يوسف: ومحمد له حريم وهو مذهبنا قال: ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العماير التي على حافات النيل ويقول إنه لا يجوز إحياؤها قال: وهذا قد عمت به البلوى في جميع البلدان، قال: وإذا رأينا عمارة على حافة نهر لا نغيرها لاحتمال أنها وضعت بحق وإنما الكلام في الابتداء أو فيما عرف حاله، ثم قال: ومما عظمت البلوى به اعتقاد بعض العوام أن أرض النهر ملك بيت المال وهذا أمر لا دليل عليه وإنما هو كالمعادن الظاهرة لا يجوز للإمام إقطاعها ولا تمليكها بل هو أعظم من المعادن الظاهرة في ذلك المعنى، والمعادن الظاهرة إنما امتنع التملك والإقطاع فيها لشبهها بالماء وبإجماع المسلمين على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج جميع الناس إليها فكيف يباع، قال: ولو فتح هذا الباب لأدى أن بعض الناس يشتري أنهار البلد كلها ويمنع بقية الخلق عنها، فينبغي أن يشهر هذا الحكم ليحضر من يقدم عليه كائناً من كان، ويحمل الأمر على أنها مبقاة على الإباحة كالموات وأن الخلق كلهم مشتركون فيها، وتفارق الموات في أنها لاتملك بالإحياء ولا تباع ولا تقطع وليس للسلطان تصرف فيها بل هو وغيره فيها سواء، فإن وجدنا نهراً صغيراً بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم فهو ملكهم يتصرفون فيه بما شاؤوا، وإن لم يكن ملكاً ولكن فيه مشارب لقوم مخصوصين فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي هذا كله كلام السبكي، وهو تصريح بالنقل عن مذهبنا أن النهر له حريم لا يجوز تملكه ولا إحياؤه ولا البناء فيه ولا بيعه ولا إقطاعه، وقال في فتاويه: الأنهار ومجاريها العامة ليست مملوكة بل هي إما مباحة لا يجوز لأحد تملكها وإما وقف على جميع المسلمين، ولا شك إن الأنهار الكبار كالنيل والفرات مباحة كما صرح به الفقهاء في كتبهم، ولا يجوز تملك شيء منها بالاحياء لا بالبيع من بيت المال ولا بغيره، وكذلك حافاتها التي عموم الناس إلى الارتفاق بها لأجلها والأنهار الصغيرة التي حفرها قوم مخصوصون معروفون مملوكة لهم كسائر الأملاك المشتركة انتهى بحروفه، وهو تصريح بالنقل عن الفقهاء إن حافات النيل لا يجوز تملكها ولا إحياؤها.
وقال في شرح المنهاج: فرع شخص أراد أن يغرس على حريمه على ماء جار شجرة جاز وإن كان النهر مشتركاً لأنه لا يضر بهم كما يتخذ على باب داره مشرعاً، وفي فتاوى القفال رجل له دار في موضع ويجري نهر على باب داره فأراد أن يغرس شجرة على جانب النهر بحذاء داره لم يجز فقيل له هذا كما لو بنى دكة في الشارع فقال ليس كذلك انتهى.
فإذا منع القفال من غرس شجرة فما ظنك بالبناء؟ وقال الزركشي في شرح المنهاج: حافات النيل والفرات لا يجوز تملك شيء منها بالاحياء ولا بالابتياع من بيت المال ولا

الصفحة 131