"""""" صفحة رقم 151 """"""
فاشتغل بالعلم وبرع وصار إماماً قائماً بالتدريس والافتاء فأرسل إليه الخليفة الناصر بعتقه وقال له: إنك قائم بنفع المسلمين فرد إليه العتاقة وقال: أنا عبد بيت المال فلا يصح عتقي فإن قال قائل: فقد ذكر الأصحاب في الأسير أن الإمام يتخير فيه بين القتل والمن والإسترقاق قلنا لا يصح القياس على مسألة الأسير لأنه يجوز تفويته بالقتل فبالمن أولى ولأنه لم يصرف فيه شيء من بيت المال بخلاف هذا الذي اشترى بثمن منه، وأيضاً فقد نص الأصحاب على أنه ليس للإمام ذلك في الأسير بالتشهي بل ينظر ما تقتضيه المصلحة فيفعله وثبوت المصلحة في عتق هذا الجم الغفير من مماليك بيت المال متعذر أو متعسر، وإن وجدت في واحد أو عشرة أو مائة لا توجد في ألوف مؤلفة، وأي مصلحة في عتقهم وجميع ما يراد منهم يمكنهم فعله مع الرق، إذا عرف ذلك عرف أن مرجع ما بأيديهم إلى أنه مال بيت المال فهذا القسم من الأوقاف مبناه على المسامحة والترخيص لأن لكل من العلماء وطلبة العلم من الاستحقاق في بيت المال أضعاف ما يأخذونه منهم.
والدليل على هذه التفرقة أمور: منها أن الشيخ ولي الدين العراقي لما حكى قول السبكي في إعطاء وظيفة العالم، والفقيه لولده الصغير فرق بين الاوقاف الخاصة والتي مأخذها من بيت المال وأظن الأذرعي سبقه إلى ذلك، ومنها أنه وقع في بعض كلام البلقيني التصريح بأن طلبة العلم يأكلون من هذه الأوقاف الموجودة الآن على وجه أنهم يستحقون من بيت المال ذلك وأكثر منه ذكر ذلك في مجلس عقد بسبب ذلك أيام الظاهر برقوق، ومنها أنك إذا تأملت فتاوى النووي، وابن الصلاح وجدتهما يشددان في الأوقاف غاية التشديد، وإذا تأملت فتاوى السبكي، والبلقيني، وسائر المتأخرين وجدتهم يرخصون ويسهلون وليس ذلك منهم مخالفة للنووي بل كل تكلم بحسب الواقع في زمنه، فإن غالب الأوقاف التي كانت في زمن النووي، وابن الصلاح كانت خاصة، وإنما حدثت أوقاف الأتراك في أواخر القرن السابع وكثرت في القرن الثامن وهو عصر السبكي ومن بعده وقطعت الأرزاق التي كانت تجري على الفقهاء من بيت المال من عهد عمر بن الخطاب إلى الخليفة المستعصم كل عام فرأى العلماء أن هذه الأوقاف أرصدت لهم من بيت المال عوضاً عما كانوا يأخذونه منه كل عام فرخصوا فيها لأنهم كانوا يأخذون ذلك القدر من غير عمل يكلفونه بل على القيام بالعلم خاصة، فمن كان بهذه الصفة جاز له فيما بينه وبين الله الأخذ منها وإن لم يقم بما شرطه الواقف، ومن لم يكن بصفة القيام بالعلم اشتغالاً وإشغالاً حرم عليه الأخذ منها وإن باشر العمل، وقد قال الدميري في شرح المنهاج: سألت شيخنا يعني الأسنوي مرتين عن غيبة الطالب عن الدرس هل يستحق المعلوم أو يعطى بقسط ما حضر؟ فقال: إن كان الطالب في حال انقطاعه يشتغل بالعلم استحق وإلا فلا، ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال لم يستحق لأن المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره، وكان يذهب إلى أن ذلك من باب الارصاد، وقال الزركشي في شرح المنهاج: ظن بعضهم أن الجامكية على الإمامة والطلب ونحوهما من باب الإجارة حتى لا يستحق شيئاً إذا أخل ببعض الصلوات أو