كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 1)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
السبكي إلى أنه يجوز أن يستأجر الشخص إنساناً للدعاء فيقول: استأجرتك بكذا لتدعو لي بكذا فيذكر ما شاء من أمور الدنيا والآخرة.
فهذه ستة وثلاثون فرعاً كلها في العبادات، ومما جازت فيه الاستنابة من غير العبادات طرفاً البيع بأنواعه والسلم، والرهن، والهبة، والصلح، والإبراء، والحوالة، والإقالة، والضمان، والكفالة، والشركة، والقراض، والمساقاة، والإجارة، والجعالة، والإيداع، والإعارة، والأخذ بالشفعة، والوقف، والوصية، والنكاح، والخلع، والطلاق، والرجعة، والإعتاق، والكتابة، وقبض الديون، وإقباضها، والأموال، والجزية، وتعيين المختارة للنكاح أو الطلاق وتملك المباحات كالاحياء، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء، والدعوى، والجواب، واستيفاء الحدود، وسواء في كل ذلك كان للموكل عذر أم لا، وجوز بعضهم الاستنابة في الإقرار، والالتقاط، والظهار، والتدبير، فهذه نحو مائة موضع أباح علماء المسلمين الاستنابة فيها من غير عذر وغالبها مما انعقد فيه الإجماع، أفلا يصلح أن تلحق الوظائف التي مبناها على الإحسان والمسامحة بواحد منها؟
ومن ألطف الفروع التي تجوز فيها الاستنابة ما ذكره إمام الحرمين في الأساليب أنه يجوز أن يستأجر رجلاً ليسرق له شيئاً من أموال الكفار من غير قتال ويكون ملكاً للمستأجر، ومن ألطفها أيضاً ما في فتاوي ابن الصلاح أنه يجوز أن يستأجر رجلاً ليقعد مكانه في الحبس فإذا كان هذا في الحبس المقصود منه الزجر والتعلق بإنسان معين ففي سد وظيفة أولى.
فصل: وأما القسم الثاني وهو ما يكون عند العذر ففيه فروع، منها جواز الاستنابة في الحج للمغصوب، وجواز الاستنابة في رمي الجمار لمن يحج بنفسه وحصل له عذر أيام الرمي، وجواز الاستنابة في الصوم عن الميت على ما صححه النووي ووردت به الأحاديث الصحيحة، وجواز الاستنابة في الاعتكاف عنه في قول حكاه البويطي عن الشافعي، وجواز الاستنابة في الصلاة عنه في وجه حكاه.
فصل: ذكر الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في ترجمة الشيخ محي الدين النووي أنه باشر تدريس الإقبالية نيابة عن ابن خلكان وكذلك الفلكية والركنية، وهذا من النووي دليل على أنه تجوز الاستنابة لأنه أورع من أن يفعل ما لا يجوز.
فصل: ومن الدليل على جواز الاستنابة أن جماعة من الصحابة كانوا يفتون الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم والإفتاء بالأصالة إنما هو منصب النبي صلى الله عليه وسلّم لأنه المبعوث لتبليغ الناس وتعليمهم، وإفتاء العلماء بعد وفاته إنما هو بطريق الخلافة والوراثة عنه، فإفتاؤهم في حياته بإذنه استنابة منه لهم ليقوموا عنه بما هو منصب له على وجه النيابة، وقد عقد ابن سعد في الطبقات باباً في ذكر من كان يفتي بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخرج فيه عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ قال: أبو بكر، وعمر، وأخرج عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي يفتون على عهد

الصفحة 155