"""""" صفحة رقم 156 """"""
رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وأخرج عن أبي عبد الله بن نيار الأسلمي قال : كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وأخرج عن كعب بن مالك قال : كان معاذ ابن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وأخرج عن سهل بن أبي حثمة قال : كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار : عمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وقد تحصل من هذه الآثار ثمانية كانوا يفتون والنبي صلى الله عليه وسلّم حي وقد جمعتهم في بيتين فقلت :
وقد كان في عصر النبي جماعة
يقومون بالإفتاء قومة قانت
فأربعة أهل الخلافة معهم
معاذ أبي وابن عوف ابن ثابت
فصل : ومن الدليل على جواز الاستنابة ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد مسند أبيه عن علي بن أبي طالب قال : ( لما نزلت عشر آيات من براءة دعا النبي صلى الله عليه وسلّم أبا بكر ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال لي : أدرك أبا بكر فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه فاقرأه على أهل مكة فلحقته فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء ؟ قال : ( لا ولكن جبريل جاءني فقال لي لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ) وأخرج أحمد ، والترمذي وحسنه عن أنس ( قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلّم ببراءة مع أبي بكر ثم دعاه فقال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً فأعطاه إياه ) فهذه استنابة من النبي صلى الله عليه وسلّم في تبليغ ما أمر بتبليغه ، ثم لما أمر أن يستنيب رجلاً من قبيلة مخصوصة رجع إليه ، فيستدل بفعله أولاً على جواز الاستنابة مطلقاً إذا سكت الواقف عن شرط ، ويستدل بفعله ثانياً على أنه إذا خصص الواقف تخصيصاً يتبع شرطه ، وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : ( بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً فانطلقا فحجا فقام على أيام التشريق فنادى ذمة الله [ ورسوله ] بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ، فكان علي ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر فنادى بها ، فهذه نيابة من أبي بكر عن علي فإنه قصد بالبعث علي ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : ( بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، فهذه نيابة من أبي هريرة أيضاً ، والمقصود بالتبليغ في هذه القصة أن تكون من علي.
فصل : هذا كله في وقف سكت واقفه عن ذكر الاستنابة إباحة ومنعاً ، وكان الواقف حراً مالكاً لما وقفه إما وقف صرح واقفه بتجويز الاستنابة أو بمنعها فإنه يتبع شرطه لا محالة ، وأما وقف لم يملكه واقفه وذلك كالذي وقفه أمير المؤمنين أو السلطان من بيت المال فإن ذلك حكمه حكم الأرصاد لا حكم الأوقاف التي ملكها واقفوها فلا يتقيد بما شرطه الواقف فيها لأنه مال بيت المال أرصد لمصالح المسلمين ، فإذا قرر فيه بعض من له استحقاق في بيت المال جاز له أن يأكل منه ، وإن لم يقم بذلك الشرط ولو لم يكن بصفة الاستحقاق من بيت المال لم يجز له أن يأكل منه ولو باشر تلك الوظيفة ، وبهذا صرح المتأخرون