"""""" صفحة رقم 265 """"""
عقب البسملة: قال الله تعالى في مفتتح قراءتهم، بل كانوا يقرءون الآية موصولة بالبسملة من غير أن يقولوا قال الله، وإذا أرادوا إيراد آية للاحتجاج على حكم أو نحوه يقولون قال الله تعالى كذا من غير أن يبسملوا، هذا ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلّم، والصحابة، والتابعين وهلم جرا، وعليه عمل الإمام الشافعي فإنه لما أراد افتتاح الخطبة بسمل ووصل البسملة بالآية من غير أن يقول قال الله، ولما أراد الاحتجاج في الأبواب بالآيات قال: قال الله وذكر الآية من غير بسملة، وعلى ذلك عمل علماء الأمة وبلغائها كافة.
وأما الدليل فعام وهو ما أشرنا إليه من فعل النبي صلى الله عليه وسلّم في القراءة، وخاص، وذلك أنه صلى الله عليه وسلّم كتب كتاباً إلى اليمن فصدره بعد البسملة بآية كالخطبة والعنوان وبراعة الاستهلال للكتاب ووصلها بالبسملة من غير أن يقول قال الله تعالى ونحوه، وبذلك اقتدى الأئمة والبلغاء في مكاتباتهم ورسائلهم وخطبهم وانشاءاتهم.
قال البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندنا الذي كتبه لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن فكتب له كتاباً وعهداً فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره أن يبشر الناس بالخير وساق الكتاب بطوله، وقال ابن أبي شيبة في المصنف: ثنا سليمان بن داود عن شعبة عن أبي إسحاق قال: كتب إلينا ابن الزبير بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان صدقة الفطر صاع صاع.
فصل: وأما الاقتباس في الشعر فلم ينص عليه متقدمو أصحابنا مع شيوعه في أعصارهم واستعمال الشعراء له قديماً وحديثاً، فسكوتهم على ذلك وعدم نصهم على تحريمه يدل على أنهم رأوه جائزاً كضرب الأمثال والاقتباس في النثر، وأصرح من ذلك أن جماعة من أئمة المذهب استعملوه في شعرهم قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات في ترجمة الأستاذ أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي أحد كبار الأصحاب وأجلائهم من شعره قوله:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف
ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته
إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
قال ابن السبكي: استعمال مثل الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره فائدة فإنه جليل القدر، وبعض الناس بحث أنه لا يجوز، وهذا الأستاذ أبو منصور من أئمة الدين، وقد فعل هذا وأسند عند هذين البيتين الأستاذ الحافظ أبو القاسم بن عساكروهما حجة في جواز مثل ذلك.