"""""" صفحة رقم 266 """"""
قلت: وروى البيهقي في شعب الإيمان عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي قال: أنشدنا أحمد ابن محمد بن يزيد لنفسه:
سل الله من فضله واتقه
فإن التقي خير ما يكتسب
ومن يتق الله يجعل له
ويرزقه من حيث لا يحتسب
فإسناد البيهقي هذا الشعر وتخريجه في مثل هذا الكتاب الجليل يدل على أنه يجوزه، وقد استعمله أيضاً الإمام الرافعي وناهيك به إمامة وجلالة وورعاً فقال: وأنشده في أماليه ورواه عنه الأئمة:
الملك لله الذي عنت الوجو
ه له وذلت عنده الأرباب
متفرد بالملك والسلطان قد
خسر الذين يحاربوه وخابوا
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم
فسيعلمون غداً من الكذاب
واستعمله أيضاً شيخ الشيوخ الحموي، وابن الوردي، وجمع من المتأخرين آخرهم الحافظ ابن حجر، ولما أنشأ شيخنا الشهاب الحجازي كتابه في اقتباسات القرآن أوقفه عليه فكتب له خطه عليه وأثنى عليه. وقال الشرف بن المقري صاحب الروض والإرشاد في شرح بديعيته: ما كان من الاقتباس في الشعر في المواعظ والزهد ومدحه صلى الله عليه وسلّم وآله وصحبه فهو مقبول وغيره مرود، وقال التقي بن حجة: الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح، ومردود، فالأول ما كان في الخطب والمواعظ والعهود. والثاني ما كان في الغزل والرسائل والقصص. والثالث ما كان في الهزل والخلاعة. وذكر الشيخ علاء الدين بن العطار تلميذ النووي في كتاب له ألفه في الشعر أنه سأل النووي عن الاقتباس فأجازه في النثر وكرهه في الشعر، ووافقه على ذلك الشيخ بهاء الدين بن السبكي فجوزه في النثر واستعمله وقال: الورع اجتنابه في الشعر، ذكره في عروس الأفراح. قلت: وعلة التفرقة بين النثر والشعر ظاهرة، فإن القرآن الكريم لما نزه عن كونه شعراً ناسب أن ينزه عن تضمينه الشعر بخلاف النثر. هذا مجموع المنقول عندنا في هذه المسألة، وحاصله الاتفاق على جواز ضرب الأمثال من القرآن واقتباسه في النثر والاختلاف في اقتباسه في الشعر، فالأكثرون جوزوه واستعملوه منهم الرافعي، وأما النووي، والبهاء بن السبكي فكرهاه ورعاً لا تحريماً، ولم أقف على نقل بتحريمه لأحد من الشافعية، ومحل ذلك كله في غير الهزل والخلاعة والمجون، ويلتحق بما نحن فائدة جليلة. ذكر جماعة من المتأخرين منهم الشيخ ولي الدين العراقي عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبروا
ولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له (زخرف)
تراه (إذا زلزلت) (لم يكن)
ثم توقف لأنه استعمل هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى الشيخ تقي الدين بن