"""""" صفحة رقم 53 """"""
الإمام في ركوع غير الأخيرة فالمحافظة على الصف الأول أولى من المبادرة إلى الإحرام لإدراك الركعة، وأما كون كل مكروه في الجماعة يسقط الفضيلة فهذا أمر معروف مقرر متداول على ألسنة الفقهاء يكاد يكون متفقاً عليه، هذا آخر ما كتبت، وقد أردت في هذه الأوراق تحرير ما قلت بعد أن تعرف أن الفضيلة التي نعنيها هي التضعيف المعبر عنه في الحديث ببضع وعشرين لا أصل بركة الجماعة وسيأتي تقرير الفرق بين الأمرين، ثم الكلام أولاً في تحرير أن هذا الفعل مكروه من كلام الفقهاء والمحدثين، قال النووي في شرح المهذب في باب الجماعة: اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب سد الفرج في الصفوف وإتمام الصف الأول ثم الذي يليه إلى آخرها ولا يشرع في صف حتى يتم ما قبله هذه عبارته ولا يقابل المستحب إلا المكروه، فإن قيل: يقابله خلاف الأولى قلت: الجواب من وجهين، أحدهما أن المتقدمين لم يفرقوا بينهما وإنما فرق إمام الحرمين ومن تابعه. الثاني: أن القائلين به قالوا هو ما لم يرد فيه دليل خاص وإنما استفيد من العمومات، والمكروه ما ورد فيه دليل خاص وهذا قد وردت فيه أدلة خاصة فضلاً عن دليل واحد فمن ذلك الحديث المذكور في الفتوى، وقد رواه أبو داود من حديث أنس قال النووي في شرح المهذب بإسناد حسن، ومن ذلك ما رواه أبو داود، وابن خزيمة، والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (أقيموا الصلاة وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) ومعنى قطعه الله أي من الخير والفضيلة والأجر الجزيل، وقال البخاري في صحيحه باب أثم من لا يتم الصفوف وأورد فيه حديث أنس: (ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف) فقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: (سووا) ومن عموم قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ومن ورود الوعيد على تركه فترجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب ومع القول به صلاة من خالف صحيحة لاختلاف الجهتين، وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً على ترك غير الواجب، قال ابن حجر: وفيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة، وقال ابن بطال: تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها دل على أن تاركها يستحق الذم وهذا صريح في أنه لا تحصل له الفضيلة، وفي الصحيح حديث: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) قال شراح الحديث: تسوية الصفوف تطلق على أمرين: اعتدال القائمين على سمت واحد وسد الخلل الذي في الصف، واختلف في الوعيد المذكور فقيل هو على حقيقته والمراد بتشويه الوجه تحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا، قال الحافظ ابن حجر: وعلى هذا فهو واجب والتفريط فيه حرام قال: وهونظير الوعيد فيمن رفع رأسه قبل