كتاب سر صناعة الإعراب (اسم الجزء: 1)

فذلك غلط، من قبل أن السؤال إنما هو عن زيد في صنيعه، ولست تسأل عن المخاطب ما صنع؟ وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيد هو المفعول الثاني، لجاز أن يقتصر على زيد، فتقول: أرأيتك زيدا، كما تقول: ظننتك زيدا، فحاجة زيد إلى ما بعده، يدل على أنه هو المفعول الأول، وأن ما بعده في موضع المفعول الثاني، وأيضا فإنا نجد معنى: أرأيتك زيدا ما صنع، وأرأيت زيدا ما صنع واحدا، فدل هذا على أن الكاف للخطاب، وليست مغيرة شيئا من الإعراب.
وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيدا هو المفعول الثاني، لوجب أن تقول للمؤنث: أرأيتك زيدا، فتكسر التاء، كما تقول: ظننتك قائمة، ولوجب أن تقول للاثنين: أرأيتما كما الزيدين، كما تقول: ظننتماكما قائمين. وكذلك في الجماعة المذكرة والمؤنثة، فترك العرب هذا كله، وإقرارهم التاء مفتوحة على كل حال، يدل على أن لها وللكاف في هذا النحو مذهبا ليس لهما في غير هذا الموضع.
وإنما فتحت التاء في كل حال، واقتصر في علامة المخاطبين وعددهم على ما بعد التاء في قولك للرجل: أرأيتك زيدا ما صنع؟ وللمرأة: أرأيتك زيدا ما فعل؟ وأرأيتكما وأرأيتكم وأرأيتكن، بفتح التاء البتة، لأنها أخلصت اسما، وجعلت علامة الخطاب والعدد فيما بعد، فاعرف ذلك.
وهذه مسألة لطيفة عنت1 لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها، ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا في أمرها، وهي قوله عز اسمه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] وما كان مثله.
أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن زيد: أن الخليل يذهب إلى أن إيا اسم مضمر مضاف إلى الكاف. وحكي عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل، في أنه مضمر مضاف.
قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر، يتغير آخره، كما تغير أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في إياك كالتي في
__________
1 عنت: بدت وظهرت. مادة "ع ن ن" اللسان "4/ 3139".

الصفحة 319