كتاب سر صناعة الإعراب (اسم الجزء: 1)

قال امرء القيس:
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل1
فإن قال قائل فيما بعد: إن جميع ما قدمته يدل على أن تصريف "ع ج م" في كلامهم موضوع للإبهام، وخلاف الإيضاح، وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب، فإنما معناه أوضحته وبينته، فقد ترى هذا الفصل مخالفا لجميع ما ذكرته، فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟ 2
فالجواب: أن قولهم أعجمت وزنه أفعلت، وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها إنما تأتي للإثبات والإيجاب، نحو: أكرمت زيدا، أي أوجبت له الكرامة، وأحسنت إليه، أثبت الإحسان إليه، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته، فقد أوجبت جميع هذه الأشياء له -فقد تأتي أفعلت أيضا يراد بها السلب والنفي، وذلك نحو: أشكيت زيدا: إذا زلت3 له عما يشكوه.
أنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو زيد:
تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها4
أي لو أننا نزول لها عما تشكوه.
__________
1 الصمم: انسداد الأذن، وثقل السمع، والفعل منه "صم" بالإدغام. اللسان "4/ 2500".
والصدى: ما يرجع عليك من صوت الجبل، وإسناد الصمم إلى الصدى لتخيل أن الصدى يسمع المتكلم فيجيب، فإذا لم يجب فكأن به صمما. اللسان "4/ 2422".
واستعجمت الدار: سكتت، ولذلك عداه يعن، والمراد أن هذه الدار لم تجب السائل عما يسأل، وذهبت آثارها التي تدل على أصحابها. مادة "ع. ج. م" اللسان "4/ 2828".
2 فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟: أسلوب استفهام يفيد التشوق والتقرير.
3 زلت: تنحيت له عما يشكوه. اللسان "3/ 1856". مادة "ز. ل. ل".
4 نشكيها: ننزع لها عن شكايتها وعتابها. مادة "ش. ك. أ". اللسان "4/ 2314".
والراجز هنا يصف أبلا قد أتعبها السير فهي تلوي أعناقها تارة، وتمدها أخرى، وتشتكي إلينا، فلا ننزع لها عن شكايتها.
شكواها: ما غلبها من سوء الحال والهزال، وهذا يقوم مقام كلامها.
وبين "تمد، تلويها" طباق يبرز المعنى بالتضاد ويزيده وضوحا.

الصفحة 50

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text