كتاب سر صناعة الإعراب (اسم الجزء: 1)

من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر1
فذهبوا فيه إلى أنه أراد النون الخفيفة2 ثم حذفها ضرورة، فبقيت الراء مفتوحة، كأنه أراد يقدرن، وأنكر بعض أصحابنا3 هذا، وقال: هذه النون لا تحذف إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ها هنا بعدها4.
والذي أراه أنا في هذا -وما علمت أحدا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويشبه أن يكونوا لم يذكروه للطفه5- هو أن أصله "أيوم لم يقدر أم يوم قدر"، بسكون الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة، والراء الساكنة وقد أجرت العرب الحرف الساكن، إذا جاور الحرف المتحرك، مجرى المتحرك، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه: المراة والكماة، يريدون: المرأة، والكمأة6.
__________
= قوله: "فأما قول الراجز": فإنه أورد هذا الفصل إيرادا سيئا، لأنك تستمر فيه إلى أواخر الفصل، ولا تدري ما الذي أوجب ذكره هنا، ولا وجه ملاءمته، وكان الصواب أن يقال: ومما ينسلك عندنا في هذا السلك، أعني باب إبدال الهمزة والألف، قول الراجز ... إلخ، وذلك لأن مقتضى الظاهر أن هذه الراء لا تتحرك، فأجاب أصحابنا عنه بكذا وكذا، ويستمر إلى آخر كلامهم، ثم يقول: "وعندنا فيه وجه لطيف ... إلخ".
ومن كلام ابن هشام يتضح أن المؤلف كان عليه أن يبين أن هذا الشاهد دال في باب إبدال الهمزة والألف، وإذا قد تقدم في كلامه إبدال الألف همزة، فيكون هذا من باب إبدال الهمزة ألفا، وهو عكس الأول، وبهذه تظهر المناسبة.
1 أورد البيت صاحب الخزانة "4/ 589" والشاهد فيه عند البصريين -غير ابن جني- فتح الراء بسبب نون التوكيد الخفيفة المحذوفة ضرورة.
قال أبو زيد في النوادر "ص13": فتح راء يقدر، يريد النون الخفيفة، فحذفها وبقي ما قبلها مفتوحا، أنشدناه أبو عبيدة والأصمعي.
إعراب الشاهد: يقدر: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المحذوفة تخفيفا.
2 النون الخفيفة: يقصد نون التوكيد الخفيفة ونون التوكيد نوعين ثقيلة وخفيفة.
3 أصحابنا: يقصد بهم البصريين.
4 الظاهر أن أصحاب هذا الرأي يرون أن النون في مثل هذا حذفت تخفيفا لا ضرورة.
5 للطفه: يريد لدقته وعدم ظهوره. مادة "لطف". اللسان "5/ 403".
6 الكمأة: جمع الكمء وهو فطر من الفصيلة الكمئية، وهي أرضية تنتفخ حاملا أبواغها، فتجنى وتؤكل مطبوخة ويختلف حجمها بحسب الأنواع، مادة "كمأ". اللسان "5/ 3926".

الصفحة 89