كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 1)
سَائِلٌ مَرَّةً وَعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرْتُ لَهُ بِشَيْءٍ ثُمَّ دَعَوْتُ بِهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تُرِيدِينَ أَلَّا يَدْخُلَ بيتك شي وَلَا يَخْرُجَ إِلَّا بِعِلْمِكِ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (مَهْلًا يَا عَائِشَةُ لَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ). الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ اسْتَوى "" ثُمَّ" لِتَرْتِيبِ الْإِخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ. وَالِاسْتِوَاءُ فِي اللُّغَةِ: الِارْتِفَاعُ وَالْعُلُوُّ عَلَى الشَّيْءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ" [المؤمنون: 28]، وقال" لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ" [الزخرف: 13]، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ ... وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى
أَيِ ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَاسْتَوَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِي وَاسْتَوَتِ الطَّيْرُ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِي، بِمَعْنَى عَلَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، وَالنَّاسُ فِيهَا وَفِيمَا شَاكَلَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْرَؤُهَا وَنُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُفَسِّرُهَا، وَذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ «1»
اسْتَوى " [طه: 5] قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ رَجُلَ سَوْءٍ! أَخْرِجُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْرَؤُهَا وَنُفَسِّرُهَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ظَاهِرُ اللُّغَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُشَبِّهَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْرَؤُهَا وَنَتَأَوَّلُهَا وَنُحِيلُ حَمْلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ" قَالَ: الِاسْتِوَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدِهِمَا: أَنْ يَسْتَوِيَ الرَّجُلُ وَيَنْتَهِيَ شَبَابُهُ وَقُوَّتُهُ، أَوْ يَسْتَوِيَ عَنِ اعْوِجَاجٍ. فَهَذَانَ وَجْهَانِ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنْ تَقُولَ: كَانَ «2» فُلَانٌ مُقْبِلًا عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ وَإِلَيَّ يُشَاتِمُنِي. عَلَى مَعْنَى أَقْبَلَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ صَعِدَ. وَهَذَا كَقَوْلِكَ: كَانَ قَاعِدًا فَاسْتَوَى قَائِمًا، وَكَانَ قَائِمًا فَاسْتَوَى قَاعِدًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَائِزٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: قَوْلُهُ:
__________
(1). راجع ج 11 ص 169.
(2). عبارة الأصول: ( ... كان مقبلا على يشاتمني وإلي سواء، على معنى .. إلخ) وبها لا يستقيم المعنى. والتصويب عن اللسان وشرح القاموس وتفسير الطبري.
الصفحة 254