كتاب التلخيص الحبير ط العلمية (اسم الجزء: 1)

125 - حَدِيثُ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" الْحَدِيثُ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ1 مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ
__________
= أحدهما: أن من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له أن يقول: إن رؤية هذا الفعل كما أمراً اتفاقياً، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد. فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود الفعل. فإن الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها. فلما لم يقع ذلك- وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دل ذلك على الخصوص به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعدم العموم في حق الأمة. وفيه بعد ذلك بحث.
التنبيه الثاني: أن الحديث إذا كان عام الدلالة، وعارضه غيره في بعض الصور، وأردنا التخصيص- فالواجب أن نقتصر في مخالفة مقتضى العموم على مقدار الضرورة، ويبقى الحديث العام على مقتضى عمومه فيما يبقى من الصور، إذ لا معارض له فيما عدا تلك الصورة المخصوصة التي ورد فيها الدليل الخاص. وحديث ابن عمر لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معاً فى البنيان. وإنما ورد في الاستدبار فقط.
فالمعارضة بينه وبين حديث أبي أيوب إنما هي في الاستدبار، فيبقى الاستقبال لا معارض له فيه. فينبغي أن يحمل بمقتضى حديث أبي أيوب في المنع من الاستقبال مطلقاً، لكنهم أجازوا الاستقبال والاستدبار معاً في البنيان، وعليه هذا السؤال.
هذا لو كان في حديث أبو أيوب لفظ واحد يعم الاستقبال والاستدبار فيخرج منه الاستدبار، ويبقى الاستقبال على ما قررناه آنفاً. ولكن ليس الأمر كذلك. بل هما جملتان، دلت إحداهما على الاستقبال، والأخرى على الاستدبار. تناول حديث ابن عمر إحداهما، وهي عامة في محلها. وحديثه خاص ببعض صور عمومها. والجملة الأخرى لم يتناولها حديث ابن عمر، فهي باقية على حالها.
ولعل قائلاً يقول: أقيس الاستقبال في البنيان- وان كان مسكوتاً عنه- على الاستدبار الذي ورد فيه الحديث.
1 أخرجه البخاري "1/498" كتاب الطهارة: باب قبلة أهل المدينة، الحديث "394"، ومسلم "1/224": كتاب الطهارة: باب الاستطابة، الحديث "59/264"، وأبو داود "1/19": كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، الحديث "9"، والترمذي "1/13": كتاب الطهارة: باب النهي عن استقبال القبلة بغائظ أو بول، الحديث "8" والنسائي "1/23": كتاب الطهارة: باب الأمر باستقبال المشرق أو المغرب عند الحاجة، وابن ماجة "1/115" كتاب الطهارة: باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول، الحديث "318".
وأبو عوانة "1/199"، وابن خزيمة "57" واثن حبان "1414"، والشافعي في "المسند" "1/رقم 63" والحميدي "378"، والبن أبي شيبة "1/150"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/232"، وابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ" "ص- 82- بتحقيقنا"، والطبراني في "الكبير" "ج 4/3938، 3938، 3939، 0 394، 3941، 3942"، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" "1/168"، وابن عبد البر في " التمهيد" "1/304"، والبيهقي "1/91"، والبغوي في "شرح السنة" "1/273- بتحقيقنا" من طريق الزهري عن خطاء بن يزيد، عن أبي أيوب به.
وللحديث طريق آخر عن أبي أيوب: أخرجه الدارقطني "1/60"، والطبراني في "الكبير" "4/رقم 3917"، والخطيب "2/363" من طريق عمر بن ثابت عنه بلفظ: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا".
قال الألباني في " الإرواء" "1/99": وسنده صحيح وله طريق ثالث عن أبي أيوب:
أخرجه الطبراني في " الكبير" "4/رقم 3921"، والطحاوي "4/232"، من طريق عبد الرحمن بن يزيد
بن جارية عنه. بلفظ: "نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول".

الصفحة 303