كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 1)
البزدوي وأمثاله بالاستقراء.
وليست المحافظة عليها, والجواب عن كل ما يرد عليها مما يخالفها من فقه متقدميهم بأولى من المحافظة على أضدادها, والجواب عمَّا يرد تلك الأضداد، وعلى نمطها ألَّف القرافي1 قواعده في المذهب المالكي، وعياض2، والمقري3، والونشريسي4، والزقاق5، وأمثالهم. فتلك القواعد إنما هي مأخوذة بالاستقراء من كثير من الفروع لا من كلها.
وهكذا في مذهب الشافعية والحنابلة ألَّف أصحابهما على هذا النمط بيان الأصول التي عليها مبني جل المسائل، أخذوها من صنيع الإمام وأصحابه في استنباطهم، بل كثير من الأحكام اجتهدوا واستنبطوا لها عللًا لم ينصّ عليها الإمام ولا عليه أصحابه، فيفتحوا بها بابًا للاجتهاد والاستنباط على مذهب الإمام.
__________
1 هو أحمد بن إدريس، الديباج المذهب "1/ 236".
2 عياض بن موسى أبو الفضل اليحصبي.
3 محمد بن محمد بن أحمد أبو عبد الله التلمساني، شذرات الذهب "6/ 193".
4 أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني، الإعلام "1/ 255"، وذكره في الاستقصاء "4/ 165".
5 هو علي بن قاسم بن محمد التجيبي، ت سنة 912 هـ.
خبر الواحد عند أبي حنيفة:
إن أبا حنيفة يعمل به، لكن بشرط أن لا يخالفه راويه، فإن خالفه فالعمل بما رأى لا بما روى، لأنه لا يخالف مرويه إلّا وقد اطَّلع على قادح استند فيه لدليل، قلنا في ظنه، وقد سبقه إلى هذا الأصل سعيد ابن المسيب، ففي صحيح مسلم عنه عن معمر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من احتكر فهو خاطيء" فقيل لسعيد: إنك تحتكر؟ فقال: إن معمر الذي كان يحدث بهذا الحديث كان يحتكر1، قال الترمذي بعد روايته: إنما روي عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت والحنطة ونحو هذا2.
__________
1 مسلم في المساقاة "5/ 75".
2 الترمذي "3/ 558".