كتاب تفسير مقاتل بن سليمان - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 295
نفسه قتل أخيه ، ) فقتله فأصبح من الخاسرين ) [ آية : 30 ] .
قال : وكان هابيل قال لأخيه قابيل : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ( إلى قوله :
( بإثمي وإثمك ( ، يعني أن ترجع بإثمي بقتلك إياي ، وإثمك الذي عملته قبل قتلي ،
)( فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ( ، يعني جزاء من قتل نفسا بغير جرم ،
فلما قتله عشية من آخر النهار ، لم يدر ما يصنع ، وندم ولم يكن يومئذ على الأرض بناء
ولا قبر ، فحمله على عاتقه ، فإذا أعيى وضعه بين يديه ، ثم ينظر إليه ويبكي ساعة ، ثم
يحمله ، ففعل ذلك ثلاثة أيام .
المائدة : ( 31 ) فبعث الله غرابا . . . . .
فلما كان في الليلة الثالثة ، بعث الله غرابين يقتتلان ، فقتل أحدهما صاحبه وهو ينظر ،
ثم حفر بمنقاره في الأرض ، فلما فرغ منه ، أخذ بمنقاره رجل الغراب الميت ، حتى قذفه
في الحفيرة ، ثم سوى الحفيرة بالأرض ، وقابيل ينظر ، فذلك قوله تعالى : ( فبعث الله
غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ( قابيل : ( يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ( ، يقول : أعجزت أن أعلم من العلم مثل ما علم هذا
الغراب ، ) فأواري سوءة أخي ( ، يقول : فأغطى عورة أخي كما وارى الغراب صاحبه ،
)( فأصبح من النادمين ) [ آية : 31 ] بقتله أخاه .
فعمد عند ذلك قابيل ، فحفر في الأرض بيده ، ثم قذف أخاه في الحفيرة ، فسوى
عليه تراب الحفيرة كما فعل الغراب بصاحبه ، فلما دفنه ألقى الله عز وجل عليه الخوف ،
يعني على قابيل ؛ لأنه أول من أخاف ، فانطلق هاربا ، فنودى من السماء : يا قابيل ، أين
أخوك هابيل ؟ قال : أو رقيبا كنت عليه ؟ ليذهب حيث شاء ، قال المنادي : أما تدري أين
هو ؟ قال : لا ، قال المنادي : إن لسانك وقلبك ويديك ورجليك وجميع جسدك يشهدون
عليك أنك قتلته ظلما ، فلما أنكر شهدت عليه جوارحه ، فقال المنادي : أين تنجو من
ربك ؟ إن إلهي يقول : إنك ملعون بكل أرض ، وخائف ممن يستقبلك ، ولا خير فيك ،
ولا في ذريتك .
فانطلق جائعا ، حتى أتى ساحل البحر ، فجعل يأخذ الطير ، فيضرب بها الجبل ،
فيقتلها ويأكلها ، فمن أجل ذلك حرم الله الموقوذة ، وكانت الدواب ، والطير ، والسباع ،
لا يخاف بعضها من بعض ، حتى قتل قابيل هابيل ، فلحقت الطير بالسماء ، والوحش
بالبرية والجبال ، ولحقت السباع بالغياض ، وكانت قبل ذلك تستأنس إلى آدم ، عليه

الصفحة 295