كتاب الطبقات الكبرى ط العلمية (اسم الجزء: 1)
الْحَارِثِ: بَلْ تَعِسْتَ أَنْتَ. أَتَشْتِمُ رَجُلا مِنَ الْمُرْسَلِينَ؟ إِنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى وَإِنَّهُ لَفِي التَّوْرَاةِ! قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دِينِهِ؟ قَالَ: شَرَّفَنَا هَؤُلاءِ الْقَوْمُ وَأَكْرَمُونَا وَمَوَّلُونَا وَقَدْ أَبَوْا إِلا خِلافَهُ. فَحَلَفَ أَخُوهُ أَلا يَثْنِي لَهُ صَعَرًا حَتَّى يَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَيُؤْمِنَ بِهِ. قَالَ: مَهْلا يَا أَخِي فَإِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا. قَالَ: وَإِنْ. فَمَضَى يَضْرِبُ رَاحِلَتَهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِلَيْكَ يَغْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
قَالَ: فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْعَبْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُمَا إِلَى يَهُودَ يَثْرِبَ وَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ. فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا:
أَتَيْنَاكُمْ لأَمْرٍ حَدَثَ فِينَا. مِنَّا غُلامٌ يَتِيمٌ حَقِيرٌ يَقُولُ قَوْلا عَظِيمًا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ الرَّحْمَنِ.
وَلا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلا رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ. قَالُوا: صِفُوا لَنَا صِفَتَهُ. فَوَصَفُوا لَهُمْ. قَالُوا:
فَمَنْ تَبِعَهُ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: سَفَلَتُنَا. فَضَحِكَ حَبْرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي نَجْدُ نَعْتَهُ وَنَجِدُ قَوْمَهُ أَشَدَّ النَّاسِ لَهُ عَدَاوَةً.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَدِمَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنَ الشَّامِ تَاجِرًا فِي أَرْبَعِينَ رَجُلا مِنْ قَوْمِهِ. فَرَأَى رُؤْيَا أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ بِمَكَّةَ يَا أَبَا أُمَامَةَ فَاتَّبِعْهُ. وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّكُمْ تَنْزِلُونَ مَنْزِلا فَيُصَابُ أَصْحَابُكَ فَتَنْجُو أَنْتَ وَفُلانٌ يُطْعَنُ فِي عَيْنِهِ. فَنَزَلُوا مَنْزِلا فَبَيَّتَهُمُ الطَّاعُونُ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا غَيْرَ أَبِي أُمَامَةَ وَصَاحِبٍ لَهُ طُعِنَ فِي عَيْنِهِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ وَغَيْرِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ خَالِدَ ابن سَعِيدٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظُلْمَةً غَشِيَتْ مَكَّةَ حَتَّى مَا أَرَى جَبَلا وَلا سَهْلا. ثُمَّ رَأَيْتُ نُورًا يَخْرُجُ مِنْ زَمْزَمَ مِثْلَ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ كُلَّمَا ارْتَفَعَ عَظُمَ وَسَطَعَ حَتَّى ارْتَفَعَ فَأَضَاءَ لِي أَوَّلَ مَا أَضَاءَ الْبَيْتَ. ثُمَّ عَظُمَ الضَّوْءُ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْ سَهْلٍ وَلا جَبَلٍ إِلا وَأَنَا أَرَاهُ. ثُمَّ سَطَعَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ انْحَدَرَ حَتَّى أَضَاءَ لِي نَخْلَ يَثْرِبَ فِيهَا الْبُسُرُ. وَسَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ فِي الضَّوْءِ: سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ تَمَّتِ الْكَلِمَةُ وَهَلَكَ ابْنُ مَارِدٍ بِهَضَبَةِ الْحَصَى بَيْنَ أَذْرُحَ وَالأَكَمَةِ. سَعِدَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ. جَاءَ نَبِيُّ الأُمِّيِّينَ.
الصفحة 131