كتاب الطبقات الكبرى ط العلمية (اسم الجزء: 1)
رَكِبَ فِي طَلَبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - بعد ما اسْتَقْسَمَ بِالأَزْلامِ أَيَخْرُجُ أَمْ لا يَخْرُجُ. فَكَانَ يَخْرُجُ لَهُ أَنْ لا يَخْرُجَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَرَكِبَ فَلَحِقَهُمْ. فَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَرْسَخَ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فَرَسَخَتْ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ فَرَسِي فأرد عنك. [فقال النبي.
ص: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَأَطْلِقْ لَهُ فَرَسَهُ. فَخَرَجَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا تَكَاتَبَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانُوا تَكَاتَبُوا أَلا يُنْكِحُوهُمْ وَلا يَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ. وَلا يَبِيعُوهُمْ وَلا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ. وَلا يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ وَلا يُكَلِّمُوهُمْ. فَمَكَثُوا ثَلاثَ سِنِينَ فِي شِعْبِهِمْ مَحْصُورِينَ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ. وَدَخَلَ مَعَهُمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. فَلَمَّا مَضَتْ ثَلاثُ سِنِينَ أَطْلَعُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى أَمْرِ صَحِيفَتِهِمْ. وَأَنَّ الأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَوْرٍ أَوْ ظُلْمٍ. وَبَقِيَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنِي يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ! قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو طالب لإخوته. فقالوا: مَا ظَنُّكَ بِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي قَطُّ. قَالَ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَلْبَسُوا أَحْسَنَ مَا تَجِدُونَ مِنَ الثِّيَابِ ثُمَّ تَخْرُجُونَ إِلَى قُرَيْشٍ فَنَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمُ الْخَبَرُ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ. فَصَمَدُوا إِلَى الْحِجْرِ وَكَانَ لا يَجْلِسُ فِيهِ إِلا مَسَّانُ قُرَيْشٍ وَذَوُو نُهَاهُمْ. فَتَرَفَّعَتْ إِلَيْهِمُ الْمَجَالِسُ يَنْظُرُونَ مَاذَا يَقُولُونَ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّا قَدْ جِئْنَا لأَمْرٍ فَأَجِيبُوا فِيهِ بِالَّذِي يُعْرَفُ لَكُمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِكُمْ وَأَهْلا وَعِنْدَنَا مَا يَسُرُّكَ فَمَا طَلَبْتَ؟ قَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أَخْبَرَنِي وَلَمُ يَكْذِبْنِي قَطُّ أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَى صَحِيفَتِكُمُ الَّتِي كَتَبْتُمُ الأَرَضَةَ فَلَمَسَتْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَوْرٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَبَقِيَ فِيهَا كُلُّ مَا ذُكِرَ بِهِ اللَّهُ. فَإِنْ كَانَ ابْنُ أَخِي صَادِقًا نَزَعْتُمْ عَنْ سُوءِ رَأْيِكُمْ. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمْ فَقَتَلْتُمُوهُ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمُوهُ إِنْ شِئْتُمْ. قَالُوا: قَدْ أَنْصَفْتَنَا. فَأَرْسَلُوا إِلَى الصَّحِيفَةِ. فَلَمَّا أتي بها قال أبو طالب: اقرؤوها. فَلَمَّا فَتَحُوهَا إِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُكِلَتْ إِلا مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا. قَالَ: فَسُقِطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ ثُمَّ نَكَسُوا على رؤوسهم. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: هَلْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِالظُّلْمِ وَالْقَطِيعَةِ وَالإِسَاءَةِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ. وَتَلاوَمَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَا صَنَعُوا بِبَنِي هَاشِمٍ. فَمَكَثُوا غَيْرَ كَثِيرٍ. وَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشِّعْبِ وَهُوَ يَقُولُ: يا معشر قريش
الصفحة 148