كتاب الأموال للقاسم بن سلام - ت: سيد رجب (اسم الجزء: 1)
147 - (140) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُتْعِبَ الْأَنْبَاطَ فِي الْجِزْيَةِ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ ير سَعِيدٌ فِيمَا نَرَى بِالْإِتْعَابِ: تَعْذِيبَهُمْ، وَلَا تَكْلِيفَهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُعَامَلُوا عِنْدَ طَلَبِهَا مِنْهُمْ بِالْإِكْرَامِ لَهُمْ، وَلَكِنْ بِالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ، وَأَحْسِبُهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَقَدْ فَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ: عَنْ يَدٍ قَالَ: نَقْدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَمْشُونَ بِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْطِيهَا وَهُوَ قَائِمٌ، وَالَّذِي يَقْبِضُهَا مِنْهُ جَالِسٌ.
بسم الله الرحمن الرحيم
كِتَابُ فُتُوحِ الْأَرَضِينَ صُلْحًا وَسُنَنِهَا وَأَحْكَامِهَا
بَابُ فَتْحِ الْأَرْضِ تُؤْخَذُ عَنْوَةً، وَهِيَ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ جَمِيعًا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَجَدْنَا الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ قَدْ جَاءَتْ فِي افْتِتَاحِ الْأَرَضِينَ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَرْضٌ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ لَهُمْ مِلْكُ أَيْمَانِهِمْ، وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيهَا غَيْرُهُ، وَأَرْضٌ افْتُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى خَرْجٍ مَعْلُومٍ، فَهُمْ عَلَى مَا صُولِحُوا #116# عَلَيْهِ، لَا يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَرْضٌ أُخِذَتْ عَنْوَةً، فَهِيَ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَبِيلُهَا سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ، فَتُخَمَّسُ وَتُقَسَّمُ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا خُطَطًا بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا خَاصَّةً، وَيَكُونُ الْخُمُسُ الْبَاقِي لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ حُكْمُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ: إِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهَا غَنِيمَةً، فَيُخَمِّسَهَا وَيُقَسِّمَهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ، فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهَا فَيْئًا فَلَا يُخَمِّسَهَا وَلَا يُقَسِّمَهَا، وَلَكِنْ تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً مَا بَقُوا، كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بِالسَّوَادِ، فَعَلَ ذَلِكَ فَهَذِهِ أَحْكَامُ الْأَرْضِ الَّتِي تُفْتَحُ فَتْحًا، فَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ إِقْطَاعًا، أَوْ يَسْتَخْرِجَهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْإِحْيَاءِ، أَوْ يَحْتَجِزُهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ بِالْحُمَّى، فَلَيْسَتْ مِنَ الْفُتُوحِ، وَلَهَا أَحْكَامٌ سِوَى تِلْكَ وَبِكُلِّ هَذَا قَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ
148 - (141) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَمَّا الْحَكَمُ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ #117# حَدَّثَنَا، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَخَمَّسَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا، وَيَكُونُ ثَمَرُهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَأُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، قَالَ فَقَبِلُوا الْأَمْوَالَ عَلَى ذَلِكَ».
الصفحة 115