كتاب الأموال للقاسم بن سلام - ت: سيد رجب (اسم الجزء: 1)

300 - (277) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: انْظُرْ كِتَابًا قَرَاتُهُ عِنْدَ فُلَانِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَكَلِّمْ فِيهِ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: فَكَلَّمَتْهُ فَأَعْطَانِي فَإِذَا فِي الْكِتَابِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ رُعَاشٍ كُلِّهِمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ مُسْلِمُونَ، ثُمَّ ارْتَدَدْتُمْ بَعْدُ، وَإِنَّهُ مَنْ يَتُبْ مِنْكُمْ وَيُصْلِحْ لَا يَضُرُّهُ ارْتِدَادُهُ، وَنُصَاحِبُهُ صُحْبَةً حَسَنَةً، فَادَّكِرُوا وَلَا تَهْلِكُوا، وَلْيُبْشِرْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ، فَمَنْ أَبَى إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ #189# فَإِنَّ ذِمَّتِي بَرِيئَةٌ مِمَّنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَ عَشْرٍ تَبْقَى مِنْ شَهْرِ الصَّوْمِ مِنَ النَّصَارَى بِنَجْرَانَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ يَعْلَى كَتَبَ يَعْتَذِرُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَهَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَسْرًا جَبْرًا وَوَعِيدًا لَمْ يَنْفُذْ إِلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَمَرْتُ يَعْلَى أَنْ يَاخُذَ مِنْكُمْ نِصْفَ مَا عَلِمْتُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنِّي لَنْ أُرِيدَ نَزْعَهَا مِنْكُمْ مَا أَصْلَحْتُمْ».
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذِهِ الْأَمْصَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا مَصَّرَ الْمُسْلِمُونَ هِيَ الَّتِي لَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا إِلَى إِظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهَا صُلْحًا صُولِحُوا عَلَيْهِ، فَلَنْ يُنْتَزَعُ مِنْهُمْ، وَهُوَ تَاوِيلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَفُّوا لَهُمْ بِهِ. فَمِنْ بِلَادِ الصُّلْحِ: أَرْضُ هَجَرَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَأَيْلَةُ، وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ، وَأَذْرُحُ، فَهَذِهِ الْقُرَى الَّتِي أَدَّتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ، فَهُمْ عَلَى مَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الصُّلْحِ: منه بَيْتُ الْمَقْدِسِ، افْتَتَحَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ صُلْحًا، وَكَذَلِكَ مَدِينَةُ دِمَشْقَ، افْتَتَحَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ صُلْحًا، وَعَلَى هَذَا مُدُنُ الشَّامِ كَانَتْ كُلُّهَا صُلْحًا، دُونَ أَرْضِهَا، عَلَى يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَذَلِكَ بِلَادُ الْجَزِيرَةِ يُرْوَى أَنَّهَا كُلُّهَا صُلْحٌ، صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَذَلِكَ قِبْطُ مِصْرَ صَالَحَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَكَذَلِكَ بِلَادُ خُرَاسَانَ يُقَالَ إِنَّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا صُلْحًا عَلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ، وَكَانَ مُنْتَهَى ذَلِكَ إِلَى مَرْوَ الرُّوذِ وَهَذَا فِي دَهْرِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا افْتُتِحَتْ بَعْدُ عَلَى يَدَيْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَالْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَؤُلَاءِ عَلَى شُرُوطِهِمْ، لَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ بِلَادٍ أُخِذَتْ عَنْوَةً، فَرَأَى الْإِمَامُ رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِقْرَارَهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى ذِمَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ، كَفِعْلِ عُمَرَ بِأَهْلِ السَّوَادِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ عَنْوَةً عَلَى يَدَيْ سَعْدٍ وَكَذَلِكَ بِلَادُ الشَّامِ كُلُّهَا عَنْوَةً، مَا خَلَا مُدُنَهَا عَلَى يَدَيْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَشُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، #190# وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَذَلِكَ الْجَبَلُ أُخِذَ عَنْوَةً فِي وَقْعَةِ جَلُولَاءَ وَنَهَاوَنْدَ عَلَى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَكَذَلِكَ الْأَهْوَازُ، أَوْ أَكْثَرُهَا، كَذَلِكَ فَارِسُ عَلَى يَدَيْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.

الصفحة 188