كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 1)

@ 178 @
انتهى إلى بلقيس بنت عمه فأراد ذلك منها فوعدته أن يحضر عندها إلى قصرها وأعدت له رجلين من أقاربها وأمرتهما بقتله إذا دخل عليها وانفرد بها فلما دخل إليها وثبا عليه فقتلاه فلما قتل أحضرت وزراءه فقرعتهم فقالت أما كان فيكم من يأنف لكريمته وكرائم عشيرته ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت اختاروا رجلا تملكونه فقالوا لا نرضى بغيرك فملكوها
وقيل إن أباها لم يكن ملكا وإنما كان وزير الملك وكان الملك خبيثا قبيح السيرة يأخذ بنات الأقيال والأعيان والأشراف وأنها قتلته فملكها الناس عليهم
وكذلك أيضا عظموا ملكها وكثرة جندها فقيل كان تحت يدها أربعمائة ملك كل ملك منهم على كورة مع كل ملك منهم أربعة آلاف مقاتل وكان لها ثلثمائة وزير يدبرون ملكها وكان لها اثنا عشر قائدا يقود كل قائد منهم اثني عشر ألف مقاتل
وبالغ آخرون مبالغة تدل على سخف عقولهم وجهلهم قالوا كان لها اثنا عشر ألق قيل تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل مع كل مقاتل سبعون ألف جيش في كل جيش سبعون ألف مبارز ليس فيهم إلا أبناء خمس وعشرين سنة
وما أظن الساعة راوي هذا الكذب الفاحش عرف الحساب حتى يعلم مقدار جهله ولو عرف مبلغ العدد لاقصر عن إقدامه على هذا القول السخيف فإن أهل الأرض لا يبلغون جميعهم شبابهم وشيوخهم وصبيانهم ونساؤهم هذا العدد فكيف أن يكونوا أبناء خمس وعشرين سنة فياليت شعري كم يكون غيرهم ممن ليس من أسنانهم وكم تكون الرعية وأراب الحرف والفلاحة وغير ذلك وإنما الجند بعض أهل البلاد وإن كان الحاصل من اليمن قد قل في زماننا فإن رقعة أرضه لم تصغر وهي لا تسع هذا العدد قياما كل واحد إلى جانب الآخر
ثم إنهم قالوا أنفقت على كوة بيتها التي تدخل الشمس منها فتسجد لها ثلثمائة ألف أوقية من الذهب وقالوا غير ذلك وذكروا من أمر عرشها ما يناسب كثرة جيشها فلا نطول بذكره
وقد تواطؤا على الكذب والتلاعب بعقول الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال العقلاء لهم وإنما ذكرنا هذا على قبحه ليقف من كان يصدق به عليه

الصفحة 178