@ 353 @
آلاف درهم وأجاز على اسمه فلما قام عن مجلسه حضر عند كسرى يعتذر إليه من غلظته عليه وذكر له أن أمره لا يتم ألا بما فعل فقال كسرى ما غلظ علينا أمر نريد به إصلاح دولتنا
ومن كلام كسرى الشكر والنعمة عدلان ككفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمد فكثير النعم يحتاج إلى كثير من الشكر وكلما زيد في الشكر ازدادت النعم وجاوزته ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه بالفعل ونظرت أحب الأعمال إلى الله فوجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية وهو الحق والعدل فلزمته ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس والدواب والطير وجميع الحيوانات
ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة وأهل العمارة أجراء للمقاتلة فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم
ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤنتهم وعمارتهم ولم أجحف بواحدة من الجانبين ورأت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين واليدين المتساعدتين والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى ونظرنا في سير آبائنا فلم نترك منها شيئا يقترن بالثواب من الله والذكر الجميل بين الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه ولا فسادا إلا أعرضنا عنه ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآباء ونظرت في سير أهل الهند والروم وأخذنا محمودها ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر البلدان
فانظر إلى هذا الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم الساعة