كتاب التبصرة - ت عبد الواحد (اسم الجزء: 1)

| الأرض عثر , فتحصنت بمن في السماء من فتنة أهل الأرض لأنهم سراق العقول , | وذلك أن القلب إذا صفا ضاقت عليه الأرض فأحب قرب السماء . قلت : يا راهب | من أين تأكل ؟ قال : من زرع لم أبذره . قلت : من يأتيك به ؟ قال : الذي نصب | الرحا يأتيها بالطحين . قلت : كيف ترى حالك ؟ قال : كيف يكون حال من أراد | سفراً بلا أهبة , ويسكن قبراً بلا مؤنس , ويقف بين يدي حكم عدل . ثم أرسل عينه | وبكى . قلت : ما يبكيك ؟ قال : ذكرت أياماً مضت من أجلي لم أحقق فيها عملي , | وفكرت في قلة الزاد وفي عقبة هبوط إلى الجنة أو إلى النار . قلت يا راهب : بم | يستجلب الحزن ؟ قال : بطول الغربة , وليس الغريب من مشى من بلد إلى بلد , | ولكن الغريب صالح بين فساق . | | ثم قال : إن سرعة الإستغفار توبة الكذابين , لو علم اللسان مما يستغفر لجف في | الحنك , إن الدنيا منذ ساكنها الموت ما قرت بها عين , كلما تزوجت الدنيا زوجا طلقه | الموت , فمثلها كمثل الحية لين مسها والسم في جوفها . | | ثم قال : عند تصحيح الضمائر يغفر الله الكبائر , وإذا عزم العبد على ترك الآثام | أتته من السماء الفتوح , والدعاء المستجاب الذي تحركه الأحزان . | | قلت : فأكون معك يا راهب ؟ قال : ما أصنع بك ومعي معطي الأرزاق | وقابض الأرواح , يسوق إلي الرزق في كل وقت , لم يكلفني جمعه ولم يقدر على ذلك | أحد غيره . | | اسمع يا خائن الذمم يا مضيع الحرم , يا من على التوبة عزم زعم , غير أنه كلما بنى | أن يلوذ بنا هدم , يسعى إلى الهدى فإذا رأى جيفة الهوى جثم , ويحك إطلاق البصر في | سور الحذر ثلم , عجباً لأمنك وأنت بين فكي جلم , كأنك بك تتمنى العدم , وتبكي |
____________________

الصفحة 196