| تحرق أوقد إليها موقد فنالها فاحترقت , وأنه إنما يمنع النار شدة خضرتها وكثرة ما بها , | فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه , فلما طال ذلك عليه أهوى إليها بضغث | في يده ليقتبس فمالت نحوه كأنها تريده , فاستأخر ثم عاد , فلم يزل كذلك فما كان بأوشك | من خمودها فتعجب وقال إن لهذه النار لشأنا , فوقف متحيراً فإذا بخضرتها قد صارت | نوراً عموداً ما بين السماء والأرض , فاشتد خوفه وكاد يخالط في عقله من شدة الخوف , | فنودي من الشجرة : ' يا موسى ' فأجاب سريعاً وما يدري من دعاه فقال : لبيك من | أنت , أسمع صوتك ولا أرى مكانك , فأين أنت ؟ قال : أنا فوقك ومعك وأمامك | وأقرب إليك منك . فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه تعالى فأمن به فقال : | كذلك أنت يا إلهي , فكلامك أسمع أم كلام رسولك فقال : بل أنا الذي أكلمك فادن | مني . فجمع موسى يديه في العصا ثم تحامل حتى استقل قائماً فارتعدت فرائصه حتى اختلفت | واضطربت رجلاه ولم يبق منه عظم يحمل الآخر , وهو بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة | تجري فيه , ثم زحف على ذلك وهو مرعوب حتى وقف قريباً من الشجرة فقال له الرب | تعالى : ! 2 < وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي > 2 ! قال : وما تصنع بها ؟ قال : | ! 2 < أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى > 2 ! وكانت لها شعبتان ومحجن | تحت الشعبتين ! 2 < قال ألقها يا موسى > 2 ! فظن أنه يقول له ارفضها فألقاها على وجه الرفض , | ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظر يدب يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد | أخذه , يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيقتلعها , ويطعن بالناب من أنيابه في أصل | الشجرة العظيمة فيجذبها , وعيناه توقدان ناراً وقد عاد المحجن عرفاً فيه شعر مثل | النيازك , وعادت الشعبتان فماً مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف , | فلما عاين موسى ذلك ولى مدبراً , فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية , ثم ذكر | ربه عز وجل فوقف استحياء منه . |
____________________