كتاب التبصرة - ت عبد الواحد (اسم الجزء: 1)

| رحيله ومن وافق الهوى هوى إلى محل الإضاعة وأصبح من الخاسرين . | | قال بعض المعتبرين : لما خلوت بالعقل في بيت الفكر علمت أني مخلوق للتكليف | معاقب على التحريف , لست بمهمل فأسهو , ولا بمتروك فألهو , يحصى علي قليل العمل | وكثيره , ويكر علي الزمان فيبين لي تأثيره . ورأيت الليل والنهار يقوداني إلى قبري | ويفنيان في سيرهما عمري , ويرياني من العبر ما يصلح به طريق الهدى , فيبين سلب | الكبير والصغير , والرفيق والقرين , فعلمت أن الهلاك آخر السلامة , وأن عاقبة التفريط | الندامة , وأن وهن البدن أبين دليل على الموت وأقوى علامة , وعرفت بدليل السمع | الجزاء يوم القيامة . | | فلما تيقنت أني مكلف محاسب ومحفوظ علي عملي مراقب , مثاب على الفعل | ومعاقب , مأخوذ بالتفريط ومطالب , هممت أن أنهض نهضة عازم صدوق إلى أداء | التكليف وقضاء الحقوق , فقيدتني نفسي بقيود الهوى وأفسدت من حالي | ما استقام واستوى . | | فبقيت أتفكر فيما جرى وأمسح عيني من سنة الكرى وأقول : ماذا منعني من | مقصودي , وأي شغل شغلني عن معبودي ؟ ومالي أقصر في سيري وكيف سبقني | إلى الفضائل غيري ؟ فتعجبت مما نابني وحزنت لما أصابني , ولم أزل أنظر في الموانع حتى | فهمتها وأتدبر طريق الهدى حتى علمتها . | | وذلك : أن الله تعالى جبل النفس على حب الشهوة , وجعلها في حبس الغفلة , | وخلق لها من رائق مقصودها ما يشغلها وجوده عن وجودها , فهي تميل إلى مشتهاها وإن | أدى إلى المهالك , لما وضع في طبعها من حب ذلك , وتنهمك على تحصيل غرضها وإن | أعقبها طول مرضها , فينسيها عاجل ما يسر آجل ما يضر . | | فلما وضعها الحق على هذا وألفها , خاطبها بمخالفة هواها وكلفها , وبين لها طريق | الهدى وعرفها , ولطف بها في أحوالها وتألفها , وذكرها من النعم ما سلفها , وأقامها على |
____________________

الصفحة 282