كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 110
تفكرهم في فائتهم ، وجاء نفي الخوف منعزلاً عن فعلهم لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى .
ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه بقوله : ( والذين كفروا ( قال الحرالي : هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علماً على غيب عهده وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى :
77 ( ) ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ( ) 7
[ الشورى : 29 ] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل في العقل نوراً يُقرأ به كتابه ، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار ، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان ، وإما صاحب نار ، فقال : ( وكذبوا بآياتنا ( لأنه لما كان من الذين كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة ، فكفروا بما رأوا فكانوا عمياً ، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صُمًّا - انتهى .
والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب والألسنة ) أولئك ) أي البُعَداء البغضاء ) أصحاب النار ( وبين اختصاصهم بالخلود بقوله : ( هم فيها خالدون ( فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم على فوات الجنة ، فالآية من الاحتباك ، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال على وجودهما في الثاني ، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود الجنة في الأول ، وقد علم من ذلك مع قوله ) مستقر ومتاع إلى حين ( أنه لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها فكأنه جواب سائل قال : هل بعد هذا الهبوط من صعود ؟ قال الحرالي : وقوله : ( هم ( فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم ، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون ( الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله .
فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها ، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها ، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيباً وفي الآخرة عياناً وفي القبر عرضاً
77 ( ) لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ( ) 7
[ التكاثر : 6 ، 7 ]
77 ( ) النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ( ) 7
[ غافر : 46 ]