كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 180
حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف ) وقولوا ( عليه : ( لا تعبدون إلا الله ( المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحساناً هو الإحسان كله ) و ( أحسنوا أو تحسنون ) بالوالدين ( ولو كانا كافرين .
قال الحرالي : تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى ) إحساناً ( عظيماً لا يبلغ كنهه ، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية ، وغيّر السياق فلم يقل : ولا تحسنون إلا إلى الوالدين ، إفهاماً لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما ، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذاناً بالاهتمام ) وذي القربى ( وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة ) واليتامى ( لضعفهم ، واليُتم قال الحرالي : فقد الأب حين الحاجة ، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى ) المساكين ( لكسرهم .
ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكناً أمر بجعل ذلك بالقول فقال عطفاً على الخبر الذي معناه الإنشاء : ( وقولوا للناس ( عامة ) حسناً ) أي حَسَناً بالتحريك وهو لغة فيه كالبُخْل والبَخَل ، وذلك بأن يأمروهم بما أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه .
ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال : ( وأقيموا الصلاة ( ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال : ( وآتوا الزكاة ( ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : ( ثم توليتم ) أي عن ذلك أو عن كثير منه ، وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة ) إلا قليلاً منكم وأنتم ) أي والحال أنكم ) معرضون ( عادتكم ذلك ، لم يكن ذلك منكم عن غير علم ، والإعراض صرف الشيء إلى العُرض التي هي الناحية .
قال السمين : وروى عن أبي عمرو وغيره : إلا قليل - بالرفع ، وفيه أقوال ، أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى .
ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله :
77 ( ) فشربوا منه إلا قليلاً منهم ( ) 7
[ البقرة : 249 ] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة ، قال في السفر الثاني منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا تكون لك آلهة غيري ، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض ، لا تسجدن لها ولا تعبدنها ، لأني أنا الرب ، إلهك إله غيور ، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي ، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي

الصفحة 180