كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 185
وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه ) وآتينا ( بما لنا من العظمة ) عيسى ( اسم معرب .
أصله يسوع ) ابن مريم ( الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها ) البينات ( من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل ، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي : ( وأيدناه ) أي قويناه على ذلك كله ، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة ، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه ، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر ، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته ، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي : ( بروح القدس ) أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم .
قال الحرالي : والروح لمحة من لمحات أمر الله ، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكاً وملكوتاً ، فما هو قوام الخلق كله ملكاً وملكوناً هو الأمر
77 ( ) ألا له الخلق والأمر ( ) 7
، [ الأعراف : 54 ] ، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر ؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصاً جملة العرش بعالم الملك وخصوصاً أمر الدين الباقي سماهم الله روحاً ، ومن أخصهم روح القدس ، والقدس الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم ، ومن أخص الروح به جبريل عليه السلام بما له من روح الأمر الديني ، وإسرافيل عليه السلام بما له من روح النفخ الصوري - انتهى .
وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى ؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود ، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار ، ثم جاء محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلم تصدقوه .
ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصاً من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها ، قال متى - ومعظم السياق له : فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن كَفَرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في أشعيا النبي إذ يقول : أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً الجلوس في الكورة وظلال الموت نوراً أشرق عليهم ، ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز بإنجيل ملكوت الله قائلاً : قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل .
قال متى : وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر

الصفحة 185