كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 245
ولما كان التقدير : فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله : ( ولقد اصطفيناه ( فذكره بمظهر العظمة تعظيماً له ، فإن العبد يشرف بشرف سيده ، وتشريفاً لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها ) في الدنيا ( بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه ؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره ، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما اشير إليه من الشرف ) وإنه في الآخرة لمن الصالحين ( وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من المتصفين بها ، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين ، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه ، وأشد ذم لمن خالفه ؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له ، وإقامة للحجة عليهم ، لأن أكثر ذلك معطوف على ) اذكروا ( قوله :
77 ( ) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ( ) 7
[ البقرة : 122 ] .
ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه ، وما أوصى به عليه السلام بنيه ، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفاً لخلف ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال : ( إذ ) أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم ) أي لإحسان ربك إليك ، وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه ) قال أسلمت لرب العالمين ) أي المحسن إليّ وإلى جميع الخلائق ) ووصى بها ) أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها ، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم الرجوع إلى ربه ؛ وقرئ ( وأوصى ) فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته ، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر ) إبراهيم بنيه ويعقوب ( وصّى بها أيضاً بنيه فقال كل منهم : ( يا بنيّ إن الله ( بعظمته وكماله ) اصطفى لكم الدين ( وهو الإسلام ، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم ) فلا ) أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : لا ) تموتن ( على حالة من الحالات ) إلا وأنتم ) أي والحال أنكم ) مسلمون ) أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلاً ولا التفات إلى غير مولاكم ، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك .
وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية ، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه .
ذكر قصة إبراهيم عليه السلام من التوراة : ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن